رام الله / قيس أبو سمرة / الأناضول
فارسين أغبيكان شاهين:
- هناك اتجاه متزايد نحو عزل إسرائيل دوليًا وتعزيز التعاطف مع الشعب الفلسطيني إلا أن هذا التعاطف يجب أن يترجم إلى سياسات عملية
- إسرائيل لا تستجيب إلا عندما يكون هناك ثمن حقيقي تدفعه والاكتفاء بالإدانة يشجع على مزيد من الانتهاكات
- الدبلوماسية الفلسطينية تتحرك بشكل مكثف في مختلف المحافل الدولية، بهدف دفع المجتمع الدولي نحو اتخاذ خطوات أكثر جدية
- الضغط الذي يعيشه الشعب الفلسطيني اليوم قد يكون الأكبر منذ عقود.. والمرحلة الحالية تحمل أبعادًا وجودية
- أي ترتيبات مستقبلية بشأن غزة يجب أن تتم بالتنسيق الكامل مع الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وبما يحافظ على وحدة القرار الفلسطيني
قالت وزيرة الخارجية الفلسطينية فارسين أغبيكان شاهين، إن هناك تحولًا ملحوظًا بمواقف عدد من الدول خاصة في أوروبا تجاه الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان، لكن هذا التحول بحاجة لترجمة إلى خطوات "عملية على الأرض".
وفي مقابلة مع الأناضول، أشارت شاهين إلى وجود اتجاه "متزايد نحو عزل إسرائيل دوليًا وتعزيز التعاطف مع الفلسطينيين"، إلا أن هذا التعاطف "يجب أن يترجم إلى سياسات عملية".
وفي الوقت ذاته، شددت الوزيرة على أن إسرائيل "لا تستجيب إلا عندما يكون هناك ثمن حقيقي تدفعه"، معتبرة أن استمرار الاكتفاء بالإدانة "يشجع على مزيد من الانتهاكات".
شاهين بينت أن التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين اليوم لا يكمن في غياب الفهم الدولي لمعاناتهم، بل في غياب الإرادة السياسية لدى المجتمع الدولي لترجمة هذا الفهم إلى خطوات عملية.
وأضافت أن "القضية الفلسطينية باتت واضحة أمام العالم أجمع، ولم تعد بحاجة إلى مزيد من الشرح أو التفسير، لكن هذا الوضوح لم يُترجم بعد إلى سياسات رادعة توقف الانتهاكات الإسرائيلية”.
وأردفت: "العالم يفهم جيدًا ما يجري في فلسطين، ويدرك طبيعة الانتهاكات، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، لكن ما نحتاجه اليوم هو قرارات عملية، وليس فقط بيانات إدانة".
شاهين أشارت إلى أن "هناك تحولًا ملحوظًا في مواقف عدد من الدول، خاصة في أوروبا، حيث بات الخطاب أكثر وضوحًا تجاه الاحتلال والاستيطان".
وأوضحت: "نرى دولًا مثل إسبانيا تتصدر الدعوات لاتخاذ إجراءات، وألمانيا بدأت تتحدث بشكل صريح عن الاحتلال والاستيطان وعنف المستوطنين، وكذلك هولندا وغيرها من الدول التي باتت تتبنى مواقف أكثر تقدمًا".
وفي مناسبات عديدة، وجّهت الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، انتقادات حادة لإسرائيل، على خلفية الإبادة الجماعية التي بدأتها بقطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت عامين، بينما انتقد المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومحاولات تل أبيب ضم الضفة الغربية.
هذا التحول، اعتبرته وزيرة الخارجية الفلسطينية، "مهما ويجب البناء عليه"، لكنه لا يزال "دون المستوى المطلوب"، مضيفة: "نحن بحاجة إلى تسريع هذا المسار، وتحويله إلى خطوات ملموسة على الأرض".
وأكدت أن هناك "اتجاهًا متزايدًا نحو عزل إسرائيل دوليًا وتعزيز التعاطف مع الشعب الفلسطيني"، إلا أن هذا التعاطف "يجب أن يترجم إلى سياسات عملية"، فالمرحلة الحالية تتطلب "الانتقال من التعاطف إلى الفعل".
وشددت شاهين على أن إسرائيل "لا تستجيب إلا عندما يكون هناك ثمن حقيقي تدفعه"، معتبرة أن استمرار الاكتفاء بالإدانة "يشجع على مزيد من الانتهاكات".
وقالت: "عندما لا تكون هناك مساءلة، تستمر الانتهاكات. هذا ما رأيناه على مدار سنوات طويلة، حيث اعتادت إسرائيل على الإفلات من العقاب".
وفي 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، لكن لم يتم توقيفهما بعد.
وزيرة خارجية فلسطين، أضافت: "نحن نطالب بإجراءات واضحة، سواء عبر فرض عقوبات، أو اتخاذ خطوات قانونية، أو حتى إجراءات دبلوماسية تعكس جدية المجتمع الدولي".
واعتبرت أن "القانون الدولي واضح، لكن المشكلة في تطبيقه"، داعية إلى "تفعيل أدوات المساءلة الدولية بشكل حقيقي".
وفي هذا السياق، أكدت شاهين أن الدبلوماسية الفلسطينية تتحرك بشكل مكثف في مختلف المحافل الدولية، بهدف دفع المجتمع الدولي نحو اتخاذ خطوات أكثر جدية.
وقالت: "نحن نعمل في الأمم المتحدة، وفي مجلس حقوق الإنسان، ونطرح ملفات الاستيطان، واعتداءات المستوطنين، وحرية العبادة، وقانون الأسرى".
وأضافت أن "الجهود لا تقتصر على المنظمات الدولية، بل تشمل أيضًا التواصل المباشر مع الحكومات والبرلمانات حول العالم".
هذه التحركات، وفق شاهين، "أسفرت عن قرارات مهمة"، لكنها شددت على أن "المرحلة الحالية تتطلب ما هو أكثر من القرارات، نحتاج إلى تنفيذ".
وربطت شاهين بين ضرورة التحرك الدولي والواقع الميداني المتدهور في الأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية.
وأوضحت أن "ما يجري على الأرض يفرض حالة من الإلحاح، فهناك توسع استيطاني مستمر، واعتداءات متكررة من المستوطنين، وتضييق على حياة المواطنين".
وبحسب الوزيرة فإن "الضغط الذي يعيشه الشعب الفلسطيني اليوم قد يكون الأكبر منذ عقود"، مشيرة إلى أن “المرحلة الحالية تحمل أبعادًا وجودية”.
وأكدت أن “العالم لا يمكن أن يستمر في مراقبة هذا الواقع دون تدخل فعلي”.
وصعّدت إسرائيل، عبر الجيش والمستوطنين، من اعتداءاتها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ بدء الإبادة الجماعية في غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما أسفر عن مقتل أكثر من 1148 فلسطينيًا، وإصابة نحو 11 ألفًا و750، واعتقال حوالي 22 ألفا.
ويحذر الفلسطينيون من أن هذه الاعتداءات تمهد لإعلان إسرائيل رسميا ضم الضفة الغربية إليها، ما يعني إنهاء إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية المنصوص عليها في قرارات صدرت عن الأمم المتحدة.
وفي 1948 أُقيمت إسرائيل على أراض احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجرت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض الانسحاب وقيام دولة فلسطينية.
وفيما يتعلق بمخاوف الضم، أوضحت شاهين أن "الضم لم يتوقف أصلًا"، معتبرة أن ما يجري على الأرض هو "تكريس تدريجي لهذا الواقع”.
وقالت: "الحديث عن الضم ليس جديدًا، بل هو قائم منذ سنوات، لكن اليوم نرى تسارعًا في فرض هذا الواقع".
وأضافت أن "هذا يتطلب موقفًا دوليًا واضحًا، يرفض هذه الإجراءات ويعمل على وقفها".
وعن الأوضاع الداخلية، أشارت شاهين إلى أن الظروف المعيشية في الضفة الغربية “تزداد صعوبة”، في ظل تراجع الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة.
وأوضحت أن "هناك عمال فقدوا مصادر دخلهم منذ فترة طويلة، وهناك عائلات غير قادرة على توفير احتياجاتها الأساسية".
وأضافت أن "الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة، خاصة بسبب احتجاز أموال المقاصة، تزيد من تعقيد الوضع".
وأكدت أن "الصمود الشعبي مستمر، لكنه بحاجة إلى دعم حقيقي".
وأموال المقاصة هي ضرائب على السلع المستوردة إلى الجانب الفلسطيني، تجمعها إسرائيل لصالح السلطة الفلسطينية، لكن تل أبيب تستخدمها أداة ضغط سياسي عبر الاقتطاعات والاحتجاز.
وبخصوص قطاع غزة، وصفت شاهين الوضع بأنه “كارثي”، مشيرة إلى استمرار إغلاق المعابر ونقص المساعدات.
وقالت: "رغم كل الحديث عن الاتفاقات، إلا أن الواقع لم يتغير بشكل كافٍ، ولا تزال المساعدات لا تصل بالحجم المطلوب".
وأضافت أن "الخدمات الصحية شبه منهارة، والبنية التحتية تعاني، والناس بحاجة إلى تدخل فوري".
وأكدت أن “استمرار هذا الوضع يعني مزيدًا من التدهور الإنساني”.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لا تزال الأوضاع المعيشية والصحية للفلسطينيين البالغ عددهم 2.4 مليون نسمة، بينهم 1.4 مليون نازح، متدهورة، في ظل تنصل إسرائيل من التزاماتها المنصوص عليها بالاتفاق، بما يشمل فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية ومواد الإيواء.
وجرى التوصل للاتفاق، بعد عامين من الإبادة التي بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 بدعم أمريكي، خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد عن 172 ألف جريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية المدنية.
شاهين قالت إن التحدي الأساسي اليوم يتمثل في ضرورة إعادة ترتيب الوضع الإداري في قطاع غزة ضمن إطار وطني فلسطيني موحد، بما يضمن عدم خلق أطر موازية أو منفصلة عن النظام السياسي الفلسطيني العام.
وفي هذا السياق، أشارت إلى وجود تحركات لتنسيق الجهود مع الجهات الدولية ذات الصلة، بما في ذلك ما يعرف باللجنة الإدارية أو "مجلس إدارة غزة".
و"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" هيئة غير سياسية تشكلت بموجب خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن وقف الحرب في غزة، وهي مسؤولة عن إدارة شؤون الخدمة المدنية اليومية في القطاع، وتتألف من 11 شخصية فلسطينية، إضافة إلى رئيسها علي شعث.
وبدأت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة أعمالها من العاصمة المصرية القاهرة منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، بعد يوم واحد من إعلان تشكيلها.
وعدم مباشرة اللجنة عملها من داخل القطاع، يأتي رغم إعلان حركة حماس استكمال الإجراءات اللوجستية والإدارية لتسليمها مهام إدارة الشؤون المدنية.
الوزيرة الفلسطينية أكدت أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تتم “بالتنسيق الكامل مع الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، وبما يحافظ على وحدة القرار الفلسطيني”.
وأضافت أن "غياب التنسيق الموحد سيؤدي إلى تعقيد المشهد أكثر، في حين أن المطلوب هو توحيد المرجعية السياسية والإدارية تحت إطار وطني واحد".
شاهين شددت، على أن الحكومة الفلسطينية تعمل على تعزيز حضورها في ملف غزة رغم التحديات السياسية واللوجستية القائمة.
وتطرقت شاهين إلى التحديات التي تواجه الحكومة الفلسطينية، مشيرة إلى أن هذه التحديات تؤثر على قدرتها في تلبية احتياجات المواطنين.
وقالت: "عندما تكون الحكومة غير قادرة على توفير الخدمات بالشكل المطلوب، فمن الطبيعي أن تتأثر ثقة الناس".
ومشددة على أن "الحكومة تعمل ضمن الإمكانيات المتاحة"، أضافت شاهين: "نحن نطور برامج لتعزيز صمود المواطنين، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا”.
ومنذ عام 2019 بدأت إسرائيل باقتطاع مبالغ من أموال المقاصة بذرائع مختلفة ثم توقفت عن تحويلها في مايو/ أيار 2025 ما أدخل السلطة بأزمة مالية متواصلة جعلتها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها كاملة.
وفي سياق متصل، رفضت شاهين تصوير الصراع في فلسطين على أنه "ديني"، مؤكدة أنه “صراع سياسي بامتياز”.
وفي هذا الصدد، بينت شاهين، أن "القضية تتعلق بالأرض والاحتلال، وليس بصراع ديني كما يحاول البعض تصويره".
وأضافت أن "استخدام الدين في هذا السياق هو محاولة لتبرير سياسات لا يمكن تبريرها".
ورغم التحديات، أكدت شاهين أن الأمل في حل سياسي "لا يزال قائمًا"، مشددة على ضرورة التمسك بالقانون الدولي كمرجعية.
ومضت في حديثها بأنه "إذا فقدنا الأمل، سندخل في مرحلة خطيرة، لذلك يجب أن نستمر في العمل من أجل حل سياسي عادل".
وتابعت أن "السلام لا يمكن أن يتحقق دون حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه".
وزيرة الخارجية الفلسطينية، شددت على أن "العالم اليوم أمام اختبار حقيقي" فيما يتعلق بدعم القضية الفلسطينية، داعية إلى اتخاذ خطوات ملموسة.
وفي هذا الصدد، قالت: "القضية واضحة، والمعاناة واضحة، وما ينقص هو الإرادة السياسية"، مضيفة: "نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب تطبيق القانون الدولي، ومحاسبة من ينتهكه".
وشددت على أن "الشعب الفلسطيني سيبقى صامدًا، لكن هذا الصمود بحاجة إلى دعم حقيقي من المجتمع الدولي، يُترجم إلى أفعال، لا أقوال”.
وفيما يتعلق بالدول الداعمة للقضية، أعربت شاهين عن تقديرها العميق للدور الذي تلعبه تركيا على المستويات السياسية والإنسانية تجاه الشعب الفلسطيني.
وأشارت وزيرة الخارجية إلى أن هذا الدعم يشكل عنصرًا مهمًا في تعزيز صمود الفلسطينيين في ظل الظروف الراهنة.
وقالت إن تركيا كانت من الدول "السباقة في تقديم المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، إضافة إلى دعم مشاريع تنموية وإغاثية بالضفة الغربية والقدس”، مبينة أن هذا الحضور التركي "يترك أثرًا ملموسًا على الأرض".
وأشارت إلى أن العلاقات الفلسطينية التركية، تستند إلى "مواقف سياسية واضحة داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية".
وزيرة الخارجية الفلسطينية، شكرت الشعب والحكومة التركيين على استمرار هذا الدعم، معتبرة أنه "يساهم في تعزيز القدرة على الصمود وعدم الاستسلام للواقع المفروض".
news_share_descriptionsubscription_contact
