رام الله/ قيس أبو سمرة/ الأناضول
- العمال الفلسطينيون يواجهون ظروفا غير مسبوقة؛ جراء تداخل انتهاكات إسرائيلية مباشرة مع الضغوط الاقتصادية
- العمال لا يواجهون البطالة فقط، بل منظومة متكاملة من القيود تبدأ من الحاجز العسكري ولا تنتهي عند فقدان الدخل
- الوزارة أطلقت مبادرات بينها منح قروض حسنة لعمال وتأمين صحي مجاني وإعفاءات تعليمية للأبناء وتشغيل مؤقت
أفادت وزيرة العمل الفلسطينية إيناس العطاري بأن إسرائيل تفرض قيودا عديدة على الاقتصاد الفلسطيني، وتسببت في زيادة عدد العاطلين عن العمل إلى نصف مليون، مشددة على السعي إلى مساءلتها دوليا عن انتهاكاتها.
وقالت العطاري، في مقابلة مع الأناضول بمدينة رام الله بمناسبة يوم العمال العالمي الموافق 1 مايو/أيار، إن العمال الفلسطينيين يواجهون "ظروفا غير مسبوقة".
وأرجعت ذلك إلى تداخل الانتهاكات الإسرائيلية الميدانية المباشرة مع الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، في ظل بيئة هي "الأكثر هشاشة في المنطقة".
وأضافت أن الحواجز العسكرية التي يقيمها الجيش الإسرائيلي في أنحاء الضفة الغربية لا تقتصر على تقييد الحركة فقط، بل "تعيد تشكيل الجغرافيا الاقتصادية الفلسطينية".
الوزيرة أوضحت أن ذلك يتم عبر عزل المدن والبلدات عن بعضها بعضا، وعرقلة حركة العمال والبضائع، مما ينعكس مباشرة على الإنتاجية وفرص العمل.
وشددت على أن "العامل الفلسطيني اليوم لا يواجه فقط البطالة، بل يواجه منظومة متكاملة من القيود تبدأ من الحاجز ولا تنتهي عند فقدان مصدر الدخل".
وزادت قائلة إن هذه السياسات تندرج ضمن بـ"حصار سياسي واقتصادي" يطال مختلف القطاعات.
اقتصاد تحت الضغط
العطاري قالت إن استمرار إسرائيل في احتجاز أموال "المقاصة" يمثل أحد أبرز أدوات الضغط على الاقتصاد الفلسطيني.
و"المقاصة" هي أموال مفروضة على السلع المستوردة إلى الجانب الفلسطيني، سواء من إسرائيل أو من خلال المعابر الحدودية التي تسيطر عليها تل أبيب، وتجمعها الأخيرة لصالح السلطة الفلسطينية.
وبذرائع مختلفة، تواصل إسرائيل منذ 2019 اقتطاع مبالغ من هذه الأموال تُقدر بمليارات الدولارات؛ مما أدخل السلطة الفلسطينية في أزمة مالية مزمنة، أضرت بقدرتها على دفع رواتب موظفيها والوفاء بالتزاماتها تجاه القطاع الخاص.
وأوضحت العطاري أن هذه الأموال تمثل المصدر الرئيس لإيرادات الحكومة الفلسطينية، وتُستخدم لتغطية رواتب الموظفين والنفقات الأساسية.
وتابعت أن اقتطاع تلك الأموال أو تأخير تحويلها "لا ينعكس فقط على الحكومة، بل يمتد أثره إلى القطاع الخاص وسوق العمل"، حيث يؤدي إلى تراجع السيولة، وتعطّل المشاريع، وتسريح العمال".
وشددت على أن الاقتصاد الفلسطيني "لا يعمل في ظروف طبيعية"، بل تحت قيود سياسية ومالية معقدة، مما يحدّ من قدرته على النمو وخلق فرص عمل.
صدمة سوق العمل
وفي إحدى أبرز مؤشرات الأزمة، كشفت العطاري أن سوق العمل الفلسطيني تعرّض لصدمة حادة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مع فقدان نحو 200 ألف عامل كانوا يعملون داخل إسرائيل وظائفهم بشكل مفاجئ.
وأوضحت أن هؤلاء انضموا إلى أكثر من 300 ألف متعطل (عن العمل) داخل السوق المحلية، مما رفع عدد العاطلين إلى نحو نصف مليون.
الوزيرة أردفت: "نحن أمام رقم غير مسبوق مقارنة بحجم الاقتصاد الفلسطيني، وهذا يخلق ضغطا هائلا على الحكومة والمجتمع ومنظومة الحماية الاجتماعية".
وأكملت أن فقدان هذا العدد الكبير من الوظائف في فترة زمنية قصيرة "أحدث خللا هيكليا في سوق العمل"، يصعب معالجته دون تدخلات واسعة النطاق.
وفي أكتوبر 2023، بدأت إسرائيل حرب إبادة جماعية بقطاع غزة، خلّفت أكثر من 72 ألف قتيل فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90 بالمئة من البنية التحتية، مع كلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
بموازاة ذلك، صعد الجيش الإسرائيلي والمستوطنون اعتداءاتهم في الضفة الغربية، بما يشمل القتل والاعتقال وتخريب وتدمير منازل ومنشآت وتهجير فلسطينيين والتوسع الاستيطاني في أراضيهم المحتلة.
مبادرات حكومية
وفي محاولة للتخفيف من آثار الأزمة، أشارت الوزيرة إلى إطلاق وزارة العمل مبادرات عديدة، برغم محدودية الموارد.
وأبرز برنامج "بادر" الذي يوفر قروضا حسنة تصل إلى 60 ألف شيكل (نحو 20 ألف دولار)، مع فترة سماح تمتد لستة أشهر، وسداد على أربع سنوات، لتمويل مشاريع صغيرة للعمال المتعطلين.
وقالت إن المرحلة الأولى من البرنامج دعمت 767 مشروعا، فيما أُطلقت مرحلة ثانية مؤخرا، لتوسيع قاعدة المستفيدين.
كما شملت التدخلات تقديم تأمين صحي مجاني، وإعفاءات تعليمية لأبناء العمال، وبرامج تشغيل مؤقتة، ودعم للتعاونيات، حسب الوزيرة.
لكن العطاري شددت على أن "هذه المبادرات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تعالج أزمة بهذا الحجم"؛ لأن "جوهر المشكلة سياسي مرتبط بالاحتلال وإجراءاته".

انتهاكات ميدانية
وفي ما يتعلق بالوضع الميداني، لفتت إلى تسجيل حالات اعتقال وإصابات لعمال فلسطينيين أثناء محاولتهم الوصول إلى أماكن عملهم، خاصة داخل إسرائيل.
وشددت على أن هذه الممارسات تمثل "انتهاكا صارخا لحقوق العمل وحرية التنقل"، والوزارة تتابع هذه القضايا عبر قنوات متعددة.
الوزيرة بيَّنت أن المتابعة تتم بالتعاون مع مؤسسات حقوقية ومحامين، إضافة إلى طرح هذه الانتهاكات أمام المجتمع الدولي.
وأضافت أن فلسطين، بصفتها عضوا مراقبا في منظمة العمل الدولية، تسعى إلى تفعيل دور المنظمة في مساءلة إسرائيل عن هذه الانتهاكات.
تحول رقمي
وفي إطار البحث عن حلول مستدامة، استعرضت العطاري إطلاق منصة "Job Match"، التي تهدف إلى ربط الباحثين عن عمل بأصحاب العمل بصورة مباشرة.
وقالت إن المنصة التي أُطلقت في ديسمبر/ كانون الأول 2025، تضم نحو 590 ألف باحث عن عمل مسجل، إلى جانب 42 ألف منشأة، مما يجعلها قاعدة بيانات واسعة لسوق العمل الفلسطيني.
وأوضحت أنها تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في مطابقة الباحثين عن عمل مع الوظائف المتاحة، وهذه التقنية "تتيح ربطا أكثر دقة بين مهارات الباحثين واحتياجات المشغلين".
الوزيرة تابعت أن المنصة "لا تقتصر على كونها أداة توظيف، بل تشكّل أداة تحليل لصناع القرار"، إذ توفر بيانات حول المهارات المطلوبة في السوق والفجوات القائمة.
وزادت قائلة إن هذه البيانات تساعد في توجيه السياسات، و"تُظهر بوضوح المهارات التي يطلبها السوق ولا يتم توفيرها حاليا"، مما يسهم في تحقيق مواءمة أفضل بين مخرجات التعليم والتدريب واحتياجات سوق العمل.
وبخصوص البعد الدولي، قالت العطاري إن المنصة تشمل تعاونا مع دول مثل قطر وتركيا والأردن، بهدف إدخال مشغّلين من الخارج وتوفير فرص عمل إضافية للفلسطينيين.
وأفادت بأن التركيز ينصب على العمل عن بُعد، خاصة في قطاع غزة، في ظل القيود المفروضة على الحركة، بما يتيح تجاوز العوائق الجغرافية.
وشددت على أن الهدف من هذه الجهود "ليس تشجيع الهجرة"، بل توفير فرص عمل مع الحفاظ على الكفاءات داخل السوق الفلسطيني.

تدريب مهني
العطاري سلطت الضوء على برامج التدريب المهني، مشيرة إلى وجود عشرات المراكز التي تقدم 74 برنامجا تدريبا، تم رقمنة أكثر من نصفها.
وقالت إن نسبة تشغيل الخريجين تراوح بين 70 بالمئة و80 بالمئة، فيما يتجه آخرون إلى إنشاء مشاريعهم الخاصة.
وأضافت أن برامج "التدريب أثناء العمل" تسهم في دمج الشباب في السوق، من خلال دعم جزئي للأجور.
ووجهت العطاري تحية للعمال الفلسطينيين بمناسبة عيد العمال العالمي، مؤكدة أنهم "عنوان الصمود الوطني".
وشددت على أن الحكومة تضع العامل الفلسطيني في صدارة أولوياتها، رغم التحديات، وتعمل على تمكينه اقتصاديا واجتماعيا.
وختمت بأن "الإنسان الفلسطيني هو أهم استثمار"، مؤكدة استمرار الجهود لتعزيز صموده في ظل الظروف الراهنة.
وفي عام 1948 أُقيمت إسرائيل على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجرّت ما لا يقل عن 750 ألف فلسطيني، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض الانسحاب وقيام الدولة الفلسطينية.