Abdel Razek Abdallah
30 سبتمبر 2016•تحديث: 30 سبتمبر 2016
الجزائر/ عبد الرزاق بن عبد الله/ الأناضول
ما تلبث العلاقات الفرنسية الجزائرية من تضميد جراحها السابقة، إلا سرعان ما يظهر حدث ينذر بتوتر جديد بين البلدين لاسيما في ملف "الاستعمار" الأكثر حساسية بينهما، وهو ما أحدثه تصريحات جديدة للرئيس فرانسوا أولاند، بشأن "مأساة" عشرات الآلاف من الجزائريين الذين خدموا الجيش الاستعماري الفرنسي ضد الثورة التحريرية بين 1954 و1962 أو ما يعرف بـ"الحركي".
وقال أولاند في تصريحات له الأحد الماضي إنه يعترف "بمسؤولية الحكومات الفرنسية في التخلي عن الحركي وقد قُتل من بقوا منهم في الجزائر وظروف الاستقبال غير الإنسانية لمن تم استقدامهم إلى فرنسا"، وهي تصريحات أعادت مرة أخرى هذا الملف إلى الواجهة حيث يراها الجانب الآخر خطوة "استفزازية".
ويقول مؤرخون إنه بعد استقلال الجزائر عام 1962 غادر نحو 60 ألف من "الحركى" وعائلاتهم مع الجيش الاستعماري نحو فرنسا فيما بقي حسب تقديرات ما بين 55 ألف و75 ألف منهم في الجزائر تعرضوا لأعمال انتقامية، فيما تتحدث وسائل إعلام فرنسية أن "الحركى" وعائلاتهم يشكلون اليوم جالية من نصف مليون شخص.
وقبل أيام، استقبل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وفداً عن منظمات "الحركى" وأشاد بتضحياتهم من أجل بلاده، وذلك في إطار حملة انتخابية يقوم بها للفوز بتمثيل اليمين في انتخابات الرئاسة القادمة.
ولم تصدر أي تصريحات رسمية في الجزائر رداً على اعتراف فرنسا بـ"الحركي"، وهو ملف خلّف في عدة محطات سابقة توترا بين البلدين.
الطيب الهواري، الأمين العام للمنظمة الجزائرية لأبناء الشهداء (منظمة تضم أبناء من سقطوا في حرب التحرير الجزائرية)، قال في تصريحات للأناضول إن "ما قامت به السلطات الفرنسية هو استفزاز جديد لمشاعر الجزائريين نندد به بشدة".
وأضاف أن "عودة هذه القضية إلى الواجهة لا يعدو أن يكون توظيفا سياسيا لملف الحركي من قبل الساسة الفرنسيين لكسب ورقة انتخابية مع اقتراب انتخابات الرئاسة" المقرر إجراؤها عام 2017.
واعتبر الهواري الذي يقود منظمة موالية للحكومة الجزائرية أن "هذه التصريحات والاستفزازات تسيء للعلاقات بين البلدين والتي يعمل المسؤولون على دفعها نحو الأمام في إطار الاحترام المتبادل".
وتابع: "في النهاية بالنسبة إلينا الحركي كانوا ومازالوا فرنسيين .. لقد خانوا وطنهم وشعبهم كما أن فرنسا لن تتخلى عن عقدتها الاستعمارية لأنها لم تصدق بعد أن الجزائر مستقلة، ونحن كذلك لن نترك مطلب ضرورة اعترافها بجرائمها الاستعمارية في بلدنا".
وفي يوليو/ تموز الماضي، قال الطيب زيتوني، وزير المجاهدين الجزائري (قدماء المحاربين)، عندما سُئل عن تمجيد "الحركى" من قبل فرنسا: "بعض الساسة الفرنسيين لم يهضموا بعد استقلال الجزائر ويعتقدون بعد أكثر من 50 سنة من الاستقلال أنها لاتزال تابعة لفرنسا وهو ما يفسر بعض التصريحات المعادية التي يدلي بها بعضهم من حين إلى آخر وكذا محاولات لإعادة الاعتبار للحركي".
وأضاف في حوار لوكالة الأنباء الجزائرية الرسمية أن "ملف الجزائريين الذين خانوا بلادهم وإنسانيتهم وإخوانهم (الحركى) فصل فيه الوقت والتاريخ"، في إشارة إلى تجاهل السلطات في البلاد لقضيتهم.
وتنذر تصريحات أولاند الأخير بأزمة جديدة بين البلدين، تنضم إلى أخريات شهدتها العلاقات بين البلدين في الآونة الأخيرة.
ففي أبريل/ نسيان الماضي، نشر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، صورة على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" برفقة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة خلال زيارته في الشهر نفسه إلى الجزائر، بعد أن أظهرت الأخير وهو يبدو في وضع صحي حرج.
واحتجت حينها السلطات الجزائرية على الصورة ووصفتها بـ"التصرف غير اللائق" من رئيس الوزراء الفرنسي، فيما قالت أحزاب ومنظمات جزائرية إن هدفها كان "الإساءة" للبلاد.
وفي مايو/ أيار الماضي، وجه وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة،، انتقادات للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، قال فيها إنه "لا قيمة له عند الجزائريين" وذلك رداً على إبداء الأخير في تصريحات له تخوفاً من الأوضاع في الجزائر جراء هبوط أسعار النفط وتفاقم الأخطار المحيطة بالمنطقة.
كما لفت بوتفليقة، في يونيو/حزيران الماضي، إلى أن استرجاع السلطات لممتلكات تركها فرنسيون (يسمون الأقدام السوداء) غادروا البلاد بعد الاستقلال عام 1962 كان "أمراً مشروعا" وذلك في أول ردّ منه على طلبات باستعادتها أوالتعويض عنها.
ويُطلق اسم الأقدام السوداء على المدنيين الفرنسيين الذين استوطنوا الجزائر خلال فترة الاستعمار (1830/1962)، لكنهم غادروها بعد الاستقلال عام 1962 نحو بلادهم "خوفاً من انتقام الجزائريين"، كما يقولون.
وتطالب جمعيات تدافع عن (الأقدام السوداء) منذ سنوات، السلطات الفرنسية بطلب تعويض من نظيرتها الجزائرية عن ممتلكات تركوها في الجزائر بعد مغادرتها، كما رفعت قضايا لدى محاكم فرنسية من أجل ذلك.
وتوصف العلاقات بين الجزائر وفرنسا بأنها حساسة جداً بفعل الإرث التاريخي حيث لا تزال الجزائر تطالب باعتذار رسمي عن جرائم الاستعمار الفرنسي، لكن باريس تردد في كل مرة أنه لا يمكن الاعتذار عما اقترفه الآباء ويجب طي صفحة الماضي والتطلع لبناء علاقات بناءة.