أنقرة/محمد علي آق مان/الأناضول عانت ليبيا على مدى الأعوام التي تلت سقوط الرئيس السابق معمر القذافي في 20 تشرين الأول/نوفمبر 2011، من تصدعات سياسية عديدة تسببت في زعزعة استقرارها، حيث تشهد انقسامات سياسية وأعمال عنف جراء تتنافس العديد من الفصائل والجماعات المسلحة على السلطة، ومنذ صيف 2014 تدير البلاد حكومتان متنافستان، إحداهما في العاصمة طرابلس غربي البلاد والأخرى في طبرق شرقيها.
ومازال النزاع السياسي قائم، على الرغم من الاتفاق الذي أبرم في مدينة الصخيرات المغربية، برعاية الأمم المتحدة، على تشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة فايز السراج، إلا أنَّ عدم تأييد طرفا الصراع في ليبيا المتمثلين بحكومة طبرق (شرق) والمؤتمر الوطني العام في العاصمة طرابلس (غرب) لحكومة السراج، سينعكس سلبا على سير العملية السياسية برمتها في البلاد.
فتشكيلة حكومة الوفاق الوطني الوليدة تشهد اعتراضات و ردود أفعال من قبل حكومة طبرق، والمؤتمر الوطني العام في العاصمة طرابلس، وبذلك تكون حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة، مرشحة لأن تكون حكومة ثالثة في ليبيا.
وهيأ هذا المناخ السياسي غير المستقر في ليبيا، أرضية خصبة لظهور داعش، حيث سيطر على مساحات كبيرة من الأراضي الليبية ومازال يتقدم في بعض المناطق، كما أنَّ المناخ السياسي غير المستقر، تسبب بأزمات اقتصادية وإنسانية في البلاد.
المراحل السياسية التي شهدتها ليبيا في الآونة شهدت مدينة الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015 توقيع اتفاق بين الأطراف الليبية، تنص على تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإنهاء الانقسام التشريعي بإيجاد مقاربة يبقى فيها مجلس النواب لفترة عام أو عامين، ويشارك المجلس الأعلى للدولة - الذي يفترض أن يكون هو المؤتمر الوطني العام بشكل آخر- في بعض الصلاحيات التي تتعلق بالمناصب السيادية وبسحب الثقة من الحكومة وتعديل الإعلان الدستوري وبعض القضايا الأساسية.
وفي 23 من نفس الشهر أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2259 الذي يرحب بتوقيع الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات، وبإنشاء المجلس الرئاسي. وطلب القرار من المجلس الرئاسي العمل على وجه السرعة في غضون فترة الثلاثين يوما المنصوص عليه في الاتفاق، على تشكيل حكومة وفاق وطني وإكمال الترتيبات الأمنية المؤقتة لبسط الاستقرار في ليبيا.
ووقعت وفود عن المؤتمر الوطني الليبي العام بطرابلس، ومجلس النواب المنعقد في طبرق، والنواب المقاطعين لجلسات الأخير، إضافة إلى وفد عن المستقلين وبحضور سفراء ومبعوثين من دول عربية وأجنبية، يوم 17 ديسمبر الماضي، على اتفاق يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية، برئاسة فايز السراج، في غضون شهر من بدء التوقيع. ومن أجل الحصول على دعم توجه رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية فاير السراج في 11 كانون الثاني/يناير الماضي إلى تركيا والتقى رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو ووزير الخارجية مولود جاويش أوغلو. وفي 19كانون الثاني/يناير عقدت حكومة الوفاق جلستها الأولى برئاسة السراج، الذي صرح بأن حكومته تتألف من 32 وزيرا، وبعد نيل الثقة من البرلمان ستباشر عملها في طرابلس، وأشار حينها إلى أنَّ أولويات حكومته مكافحة المجموعات المسلحة، وتأتي هذه التشكيلة المؤلفة من 32 بدلا من 24 من أجل إرضاء القوى السياسية في الساحة الليبية ومشاركتها في الحكومة.
ومن أبرز الأسماء الواردة، المهدي البرعثي، وزيرًا للدفاع، وعبد السلام الجليدي، وزيرًا للعدل، والعارف الحرجة، وزيرًا للداخلية. ورفض مجلس النواب المنعقد في طبرق، بتاريخ 25 من الشهر الحالي، منح الثقة لحكومة التوافق الليبي المنبثقة عن الاتفاق الليبي الموقع في الصخيرات، وذكرت مصادر أنَّ مجلس النواب في طبرق، طلب من رئيس الحكومة فايز السراج، تقديم تشكيلة وزارية مصغرة جديدة، تكون بمثابة حكومة أزمة، وتقليص عدد الوزراء و الحقائب الوزارية. وفي تصريح خاص للأناضول، أكد عضو المؤتمر الوطني العام، عبد القادر حويلي، في وقت سابق "انعدام أية فرصة لنجاح حكومة فايز السراج المرتقبة، لأنها تمثل خروجاً عن الحوار الليبي ، وخرقًا للسيادة الوطنية.
وكشف حويلي عن "ضغوط يتعرض لها البرلمان للقبول بقرار مجلس الأمن بدعم ومساندة حكومة التوافق المنبثقة عن اتفاق الصخيرات"، لكنّه رأى أن البرلمان "لن يستجيب لهذه الضغوط، توافقا مع إرادة الشعب الليبي الرافض لأي تدخل أجنبي، أو فرض حلول من جهات أجنبية".
واستدرك حويلي قائلا "أي تدخل أجنبي سيوحّد الشعب الليبي في مواجهة مثل هذا التدخل، الذي يُراد له أن يكون مدخلا لاقتتال أهلي ليبي"، متوقعا في الوقت ذاته أن دخول ما أسماه "حكومة ليون-كوبلر"، إلى طرابلس يعني "انتقال الحرب والفوضى وعدم الاستقرار من بنغازي إلى طرابلس". (مارتن كوبلر مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا وسلفه برناردينو ليون)
وبالمجمل فإن حكومة الوفاق الوطني أمام امتحان صعب، فعدم حصولها على الثقة من برلمان طبرق، وطلب الأخيرة من الحكومة تخفيض عدد الوزراء، يشكل تحدٍ لها ، لا سيما أنّها في حال خفضت عدد الوزراء فإنها تخشى من عدم حصولها على دعم القوى السياسية المشاركة في الحكومة بعد سحب الحقائب الوزارية منها.
ولو أنَّ حكومة السراج حصلت على ثقة برلمان طبرق فإنَّها ستواجه مهمة إقناع الكتائب المسلحة في طرابلس التي ستستأنف عملياتها من هناك. ومن أجل أن تكون القوة الوحيدة في البلاد، يتوجب على المؤتمر الوطني العام في طرابلس حلَّ نفسه.
تنظيم داعش في ليبيا
مازالت الادعاءات التي تشير إلى تدخل دولي برعاية إيطاليا ضد تنظيم داعش، تلقي بثقلها على أجندات الملف الليبي في وسائل الإعلام، واللافت في الأمر هنا وجود 4 طائرات إيطالية من طراز أي.إم.إكس. وأوضحت إيطاليا في تصريحات رسمية أنها لن تشن أي عملية عسكرية في ليبيا إلا بطلب من حكومة الوفاق الوطني.
وادعت جهات إعلامية عربية ومصادر محلية، بأنَّ الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وروسيا ستنشر قواتها في مدينة طبرق شرقي ليبيا. على أن ترسل فرنسا أيضا قواتها هي الاخرى في وقت لاحق. وبهذا الخصوص أفاد المتحدث باسم حكومة طبرق حاتم العرابي بأنهم طلبوا من دول غربية شنَّ عمليات جوية فقط ضد تنظيم داعش، ونفى طلبهم لقوات برية.
وفي حال طلب حكومة الوفاق الوطني من الدول الغربية شنَّ عمليات عسكرية ضد تنظيم داعش، فإنها تخشى في الوقت ذاته أن تفقد التأييد الشعبي.
و يتواجد "داعش" في منطقة "النوفلية" الخاضعة لسيطرته منذ 8 فبراير / شباط العام الماضي، وهي منطقة ملاصقة لـ"السدرة"، التي تحوي أكبر موانئ النفط في البلاد، والمكونة من 4 مراسي مجهزة لسفن الشحن، و19 خزاناً بسعة تصل لـ 6.2 مليون برميل من النفط الخام. وقال نائب رئيس الاستخبارات الأمريكية مايكل موريل في وقت سابق "لن أستغرب إن أفقت في يوم من الأيام وداعش مسيطر على مساحات شاسعة من ليبيا كما فعل في سوريا والعراق".
وبلغ حجم صادرات ليبيا من النفط قبل الأزمة مليونا ونصف المليون برميل، وبسبب الحرب انخفضت الصادرات إلى 400 ألف برميل، وأصبح نصف مليون ليبي من أصل 6 ملايين بدون منزل، وارتفعت معدلات البطالة، وتعاني مناطق عديدة من ليبيا أزمة في نقص الغذاء والمستلزمات الصحية، وكل ذلك يشكل عبئا على حكومة الوفاق الوطني.