Jad Yatim
14 نوفمبر 2015•تحديث: 15 نوفمبر 2015
بيروت/ جاد يتيم/ الاناضول
"رفاقي أمامي تحولوا إلى أشلاء ولا استطيع مساعدتهم"، بهذه الكلمات يصف "أحمد" الشاب العشريني اللحظات الأولى للتفجيرين الانتحاريين اللذين استهدفا منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت معقل "حزب الله"، مساء أول أمس الخميس.
وقتل 43 شخصاً على الأقل، وأصيب أكثر من 239 بجروح متفاوتة، حسبما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، في الهجومين، فيما نشرت مواقع إلكترونية مقربة من تنظيم "داعش" الارهابي بيانا قالت انه صادر عن التنظيم ويعلن فيه مسؤوليته عن تنفيذ الاعتداء.
وأمس الجمعة، بدا "شارع الحسينية" الذي حصل فيه التفجيران - بفاصل زمني لا يتعدى الدقائق العشر، بينما لم تتعد المسافة الفاصلة بين التفجيرين في الشارع المكتظ والشعبي 150 مترا-، كساحة حرب حقيقية حيث كان حجم الدمار كبيرا مقارنة بما أعلن عنه المدعي العام اللبناني القاضي "سمير حمود" في تصريح من مكان التفجير، عقب وقوع الحادث، حيث قال إن الانفجار الأول زنته 7 كيلوغرامات من المواد المتفجرة بينما الثاني قدّر ب 2 كيلو من المتفجرات.
وروى "أحمد"، الذي طلب عدم ذكر باقي اسمه لدواعٍ امنية، لفريق "الاناضول" الذي زار المكان، أن "الناس كانوا يغادرون أعمالهم وقت وقوع الانفجار. ظننا في البدء انه وقع بالفرن (مخبز)".
وأضاف أنه خرج من السوبرماركت (محل تجاري) الذي يعمل فيه بالشارع نفسه فـ"شاهدت أشلاءً ورؤوساً مقطوعة"، وتابع "كنا نحاول إخراج بعض الجرحى من داخل الفرن (فرن مكي الذي وقع الانفجار الأول امامه) فحصل الانفجار الثاني على مقربة منا وذلك بعد أقل من عشر دقائق من الانفجار الأول ولم يبعد عني أكثر من 30 مترا".
وقال "وجدنا جثة انتحاري ثالث، شاب يتجاوز العشرين عاما، يبدو أنه كان يريد تفجير نفسه بعد تجمع الناس لكنه قتل في الانفجار الاول"، لافتا إلى أن جثة هذا الانتحاري "كان حولها حزام ناسف وقنبلة. خفنا أن يقوم أحد بتفجير الحزام عن بعد فابتعدنا".
وراح "أحمد" بتأثر يستعرض صور رفاقه وجيرانه الذين قتلوا في التفجيرين ويذكر اسماءهم، ومنهم الشاب "سامي حوحو" الذي يعمل في تصليح الدراجات النارية.
لكن "أحمد" أصر على رواية قصة "بطل" شاب اسمه "عادل ترمس" (30 عاما) وهو صاحب محل لبيع الهواتف، كما رواها له أصدقاؤه الناجون.
واستطرد قائلا "احد اصدقائي شاهد الانتحاري الثاني يتوجه نحو جامع (جامع الإمام الحسين)، فأطلق عليه رصاصتين أصاباته في الكتف ولم تقتلاه، عندها قام الانتحاري الثاني وصار يصرخ مكبّرا ويكمل طريقه نحو الجامع فركض صوبه، عادل ترمس، وأحاطه بذراعيه ليمنعه من ارتكاب مجزرة أخرى"، وأردف "لولا هذا العمل البطولي لكان عدد الضحايا أكبر من ذلك".
وأفاد "أحمد" بحزن "المشهد الذي لن أنساه هو رؤية كل رفاقي أمام عيوني أشلاء ولا استطيع مساعدتهم"، وتكلم عن صراع إنساني انتابه في تلك اللحظة "وقفت للحظات محتارا بين سحب جثث اصدقائي وبين تلبية نداءات الاستغاثة من أناس لا أعرفهم".
من جهتها، روت أم الشاب "أحمد" كيف أنها اعتقدت لوهلة أن ابنها قتل لأن "الشاب الذي كان يجلس معه قبل وقت قصير شاهدت جثته حين نظرت من الشرفة لأرى ما حصل في الشارع بعد التفجير".
وانتشرت في الشارع أعلام ورايات لحزب الله، وسط انتشار أمني كثيف لعناصر من شرطة البلدية وللحزب وكذلك للجيش اللبناني، حيث كان الخبراء الجنائيون يرفعون الأدلة والاشلاء، ليجري بعدها رفع الركام تمهيدا لفتح الشارع من جديد.
وفي سياق متصل قالت "كاتيا حسين" (24 عاما) وهي شاهدة عيان ثانية في موقع التفجير، "خرجت من السوبرماركت ومررت أمام فرن، مكي، الذي وقع أمامه الانفجار، وما هي إلا لحظات حتى سمعت دوي الانفجار الذي ظننت للوهلة الاولى، أنه جراء انفجار قارورة غاز في الفرن".
وأضافت "كاتيا" قائلة "نظرت خلفي فرأيت الشارع يشتعل نارا والشباب يحاولون إسعاف الجرحى. أردت التوجه صوب مكان الانفجار فوقع الانفجار الثاني".
ولفتت الى انها شعرت بـ "الذعر الشديد ولم أعد أعرف ما أفعل. فلا أنا قادرة على التقدم ولا الرجوع إلى البيت وبقيت على هذه الحال حتى أتى شاب واوصلني الى منزلي".
ووصفت "كاتيا"، التي ليس لها أقارب بين الضحايا، ما حصل بأنه أمر "عجيب"، مضيفة "رأيت الضحايا منتشرين على قارعة الطريق".
وأثناء حديثها نظرت إلى هاتفها لتؤكد أن الانفجار الأول حصل الساعة 5:40 من بعد ظهر الخميس، و"فصل بين الانفجارين نحو دقيقتين".
وقالت مع صدمة في عينيها "أنا كثيرا ما سمعت بوقوع انفجارات، لكن هذه هي المرة الاولى التي يحصل فيها انفجار أمام عيناي".
الشارع الذي كان حتى أول أمس يضج بالحياة والناس، تحوّل الكثير من رواده وأهله في لحظات من أجساد تدب فيها الحياة وتسير على الأرض، إلى مجرد أسماء مكتوبة في قوائم معلقة على جدران بنايات الشارع ليستدل عليهم أقاربهم.
وغاب ازدحام السوق الشعبي ومناداة البائعين لجذب الزبائن، ففي "شارع الحسينية" لا يصدح اليوم إلا اصوات قارئي القرآن حيث تنتشر في ما تبقى من ازقة سلمت من الانفجار مجالس للتعزية، أقامها الناس لتذكر الذين رحلوا، آملين نهاية قريبة للرعب المنتشر.