تونس/ عادل الثابتي/ الأناضول
حذر رئيس الهيئة التونسية الوطنية لمكافحة الفساد (حكومية دستورية)، شوقي الطيب، من أن "الارتداد عن الحملة، التي دشنها رئيس الحكومة (يوسف الشاهد)، منذ أسبوعين، على الفساد، سيكون مدمرا للبلد، وسيعود الفساد أكثر شراسة".
ورغم إشادته بهذه الحملة، اعتبر الطيب، في مقابلة مع الأناضول، بمكتبه في مقر الهيئة بالعاصمة تونس، أن جهد حكومة الوحدة "قليل أمام المطلوب"، في مواجهة "حالة وبائية من الفساد"، حيث "وصلنا على أبواب الدولة المافيوية"، لا سيما في مؤسستي الأمن والجمارك وقطاع الصحة والبلديات.
وشدد على أن "الارتداد عن مكافحة الفساد سيصيب مصداقية الحملة في مقتل.. نحن نتخذ موقفا مبدئيا، ولا يمكن أن نقتنع، ولا أي تونسي يقتنع، أن الفساد في تونس يقتصر على ثمانية أو تسعة أشخاص".
ومشيرا إلى إيقاف رجل الأعمال، شفيق جراية، وسبعة من رجال الأعمال والمهربين مؤخرا، حذر من أنه "إذا اقتصرت الحكومة على الثمانية أشخاص هؤلاء، سيكون هناك تبرير لكل المشككين في مصداقية حملة مكافحة الفساد".
وشدد على أن الفساد "مثل مرض السرطان إذا ترك جزء منه بعد العملية الجراحية، فسيتوسع أكثر، ويكون أكثر شراسة، ورئيس الحكومة يجب أن يواصل الحملة؛ فالارتداد سيكون مدمرا جدا، وسنعود إلى فساد أكبر".
** جهد حكومي "قليل"
وحول جدية الحكومة في محاربة الفساد قبل الحملة الراهنة، قال رئيس هيئة مكافحة الفساد، التي أنشأت في 24 نوفمبر/تشرين ثان 2011، إن "حكومة الوحدة الوطنية (تشكلت منذ أواخر أغسطس/ أب الماضي) موجودة منذ أقل من سنة، وكان يجب عليها اتخاذ إجراءات في إطار مكافحة الفساد، وتفعيل ذلك كأولوية وطنية، لكنها لم تتخذ هذه الإجراءات، وقامت بخطوات أخرى".
فالحكومة، وفق الطيب، "وافقت على الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وشاركت في وضعها، وأمضت على خطتها العملية وعلى ميثاقها، وكذلك سرّعت النظر في قوانين، مثل قانون القطب القضائي المالي (هيئة قضائية خاصة بالنظر في ملفات الفساد المالي)، وقانون حماية المبلغين، وكذلك قانون التصريح بالمكتسبات وتجريم الإثراء غير المشروع".
لكنه اعتبر أن "ما قامت به الحكومة إلى حد الآن في مجال مكافحة الفساد قليل أمام المطلوب، فهي لم تدقق في تقارير هيئات الرقابة وتقارير دائرة المحاسبات وتقارير التدقيق والتفقد الذي قامت به هذه الهيئات مجتمعة بالنسبة للثلاث سنوات الأخيرة على الأقل".
وشدد على أنه "لو تمّ التدقيق في هذه التقارير، وتفعيل المساءلة الإدارية والقضائية في العديد من الملفات الموجودة في تلك التقارير لساهم ذلك بصفة كبيرة في الحد من نسبة الفساد، فالحكومة لم تف بوعودها ولم تقم بدورها في ما يتعلق بالدعم المادي واللوجستي لكل السلطات والهيئات المناط بها مكافحة الفساد، مثل الهيئة الوطنية".
ومضى قائلا إن "الحكومة لم تشرع في اتخاذ الإجراءات العملية الدنيا في كل ما يهم إصلاح الإدارة، الذي هو جوهر الحد من الفساد الإداري، ولم تتخذ ما يجب اتخاذه في ما يتعلق بمسألة الصفقات العمومية.. طالبنا بتفعيل المنصة الإلكترونية (للإعلان عن الصفقات)، وهو ما من شأنه أن يحد بصفة كبيرة من الفساد".
واعتبر الطيب أنه "لو نعطي للحكومة درجة في مكافحة الفساد سنعطيها 4 أو 6 من عشرين، لكن يجب أن نقر أن الخطوة الأخيرة (حملة محاربة الفساد)، التي اتخذتها الحكومة، هي أول خطوة تتخذ رغم الحكومات المتعاقبة".
** "الدولة المافيوية"
واحتلت تونس المرتبة 75 عالميا من بين 176 دولة، وفق تقرير نشرته منظمة الشفافية الدولية، العام الجاري، حول مؤشر مدركات الفساد لعام 2016، مسجلة تحسنا طفيفا مقارنة بـ 2015، الذي احتلت فيه المرتبة 76 عالميا.
ومقللا من أهمية التقارير الدولية بشأن استشراء الفساد في تونس، قال رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، إن "كل المعطيات عن الفساد موجودة ومثبتة بالتقارير الوطنية وتقارير هيئات الرقابة ودائرة المحاسبات والتصريحات وما قامت به الصحافة الاستقصائية، كل من يتابع الشأن التونسي كان مقتنعا أننا وصلنا إلى حالة وبائية من الفساد، ووصلنا على أبواب الدولة المافيوية".
وتابع بقوله: "مع احترامي لتقارير المنظمات والبنوك الدولية، أطلب من التونسيين أن يفتحوا أعينهم على تقاريرهم الوطنية التي هي أكثر وضوحا من التقارير الدولية".
وحول أكثر القطاعات التي رصدت فيها الهيئة تغلغلا أكبر للفساد، أجاب الطيب بأنه "توجد أربعة قطاعات كبرى، وهي المؤسسة الأمنية، ونعني الشرطة وبدرجة أقل بكثير الحرس (الوطني)، وهم في تعامل مباشر مع المواطنين، ثم مؤسسة الديوانة (الجمارك) وقطاع الصحة والبلديات أو الجماعات المحلية".
وبحسب تقارير الخبراء، الذين تعتمدهم الهيئة الوطنية لمكافحة السفاد، فإن ملف الصفقات والشراءات العمومية يبرز كأكبر ملف يستشري فيه الفساد.
وشدد الطبيب على أنه "كلما كانت هناك أموال، وخاصة الأموال العمومية، كانت هناك ملفات فساد، وهذا ما يفسر أن كثيرا من بين 170 ملفا أحلناها إلى النيابة العمومية، منذ أكثر من سنة، هناك ملفات تتعلق بكبريات الشركات والمؤسسات والمنشآت الوطنية (الحكومية)".
وأضاف أن "27 ملفا ذهبت إلى القطب القضائي المالي، أي أنها ملفات فساد متشعبة تتطلب أبحاثا خاصة، أما بقية الملفات فموزعة بين قضاة تحقيق في محاكم أخرى، ولم تصدر حتى الآن أحكام كبيرة، وهذا يحيلنا إلى بطء التقاضي في الملفات التي لها علاقة بالفساد".
** تهريب من منافذ رسمية
ويتردد في وسائل إعلام وتقارير خبراء تونسيين أن عمليات التهريب الكبيرة لا تتم عبر الحدود الجنوبية مع ليبيا أو الحدود الغربية مع الجزائر، وإنما عبر الموانئ التونسية، وخاصة ميناء رادس المركزي بالعاصمة.
وهو ما علق عليه الطيب قائلا: "هذا صحيح بحكم أن التهريب الكبير يتمّ للأسف عبر البوابات الحدودية الرسمية، مثل ميناء رادس أو بوابة رأس جدير (جنوب/ الحدود مع ليبيا) أو البوابات الأخرى، وحتى الموانئ الجوية".
وعزا ذلك إلى منظومة الفساد "فهي التي تمكِّن، بسبب بعض القوانين وبعض الممارسات الإدارية الخرقاء، الفاسدين من التسلل واستغلال هذه البوابات لتمرير بضاعتهم وممارسة فسادهم".
** تونسيون وأجانب
بالمقابل نفى رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تونس صحة ما يتردد عن أن الفاسدين يتمتعون بحماية سياسية.
وقال الطيب: "هي لوبيات (جماعات) موجودة ومركزة، والدليل على ذلك هو أن الجزء الأكبر منها هي اللوبيات نفسها التي كانت تمارس نوعا من الفساد قبل (اندلاع) الثورة (17 ديسمبر/ كانون أول 2010) وأساليب التحايل على الصفقات العمومية هي الأساليب نفسها التي كانت تعتمد قبل الثورة".
ومضى قائلا: "غالبا، المستفيدون هم أنفسهم، سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أو شركات تونسية، والأخطر شركات أجنبية".
وختم الطيب بأن ما يحدث هو "استعمال الغطاء الحزبي والتقرب من السلطة للحصول على صفقات، والأدهى والأمر هو أن تشاهد شركات أجنبية (لم يسميها) توجد لها ملفات في القطب القضائي المالي، وثابت عليها انخراطها في منظومة الفساد ما قبل الثورة، ثم رجعت تعمل في تونس، وتحصل على صفقات عمومية بمئات المليارات وعبر الأساليب نفسها".
news_share_descriptionsubscription_contact
