بيروت/ وسيم سيف الدين/ الأناضول
الخبير العسكري بهاء حلال:
- المؤشرات تشير إلى أن المسألة تتجاوز تسليح الجيش وترتبط بمحاولة إعادة بناء قدرته على تولي الوظيفة الأمنية
- المسألة لا تتعلق فقط بزيادة عديد العناصر وإنما تتطلب منظومة قدرات كاملة
- الاستطلاع والمراقبة يمثلان إحدى أبرز الفجوات التي يواجهها الجيش
المحلل السياسي وجدي العريضي:
- لقاء باريس لم يكن فاشلا أو ناجحا وإنما كان لقاء تحضيريا لدعم لبنان
- دعم الجيش وتسليحه يرتبط بأكثر من مسار في مقدمتها مسألة سلاح "حزب الله" وانسحاب إسرائيل
- "حزب الله" لن يسلم سلاحه إلى الدولة اللبنانية وإسرائيل لن تنسحب في المدى المنظور من الجنوب
بحث اجتماع تحضيري في العاصمة الفرنسية باريس، الخميس، سبل دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وسط مساع دولية لتعزيز قدرات الجيش وتمكينه من تولي مسؤوليات أمنية أوسع في جنوب البلاد مع اقتراب بدء الانسحاب التدريجي لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" نهاية عام 2026.
وأثار الاجتماع تساؤلات حول طبيعة الدعم الدولي المرتقب للمؤسسة العسكرية، وما إذا كان يتجه من مجرد توفير السلاح والعتاد إلى تمكين الجيش من تولي مسؤوليات أمنية أوسع، ولا سيما في الجنوب.
ويأتي الاجتماع في وقت يواجه فيه لبنان مرحلة أمنية وسياسية حساسة تتقاطع فيها مسألة تعزيز قدرات الجيش مع مستقبل الوجود العسكري الدولي في الجنوب واستمرار الوجود الإسرائيلي في أجزاء من الأراضي اللبنانية والخلاف حول سلاح "حزب الله"، فضلا عن المساعي الدولية لترتيب المرحلة التي ستلي انتهاء ولاية "اليونيفيل".
بموجب القرار 2790 الصادر في أغسطس/ آب 2025، قرر مجلس الأمن الدولي تمديد ولاية "اليونيفيل" للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026 على أن تبدأ القوة اعتبارا من ذلك التاريخ عملية انسحاب تدريجية ومنظمة وآمنة تمتد عاما، لكي تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في جنوب لبنان.
وفي باريس، بحث مسؤولون لبنانيون وفرنسيون وأردنيون ودوليون احتياجات الجيش وقوى الأمن الداخلي، في اجتماع جرى ضمن "مسار العقبة"، تمهيدا لمؤتمر دولي مرتقب لدعم المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية.
و"مسار العقبة" هو إطار لاجتماعات سياسية وأمنية إقليمية ودولية، انطلقت من المدينة الأردنية عام 2015 بدعوة من العاهل عبد الله الثاني.
وقال الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال الاجتماع إن بلاده لا تريد مساعدة مؤقتة، وإنما شراكة طويلة الأمد لدعم الجيش وقوى الأمن مع وضع خارطة طريق وجدول زمني واضحين للمؤتمر الدولي، مؤكدا أهمية ألا يؤدي الانتقال المرتقب في دور "اليونيفيل" إلى فراغ أمني في الجنوب.
من جانبه، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دعم الجيش اللبناني باعتباره الجهة التي يفترض أن تتولى المسؤولية الأمنية في الجنوب، بالتوازي مع المساعي الرامية إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية إضافية مع اقتراب موعد بدء انسحاب "اليونيفيل". فالقرار 2790 لا يحدد فقط موعد انتهاء العمليات في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026، بل يربط عملية الانسحاب بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في الجنوب.
وفي ظل ذلك، تبحث الأطراف الدولية في كيفية تجنب حدوث فراغ أمني خلال المرحلة الانتقالية، فيما تتواصل النقاشات بشأن ترتيبات دولية محتملة لدعم الجيش اللبناني بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، بما في ذلك التدريب والمشورة وتعزيز القدرات.
وفي 19 سبتمبر/ أيلول الجاري، شدد قائد "اليونيفيل" اللواء ديوداتو أبانيارا على أهمية ضمان انتقال سلس للمسؤوليات الأمنية قبل بدء الانسحاب، مشيرا إلى أن التنسيق مع الجيش اللبناني والجهات الأممية جار للتحضير للمرحلة المقبلة، وسط تحديات تتعلق بنقل المسؤوليات والمواقع.
وفي هذا الإطار، قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد بهاء حلال إن المؤشرات التي خرجت من الاجتماع التحضيري في باريس لدعم الجيش اللبناني تشير إلى أن المسألة تتجاوز مجرد تسليح الجيش وترتبط بمحاولة إعادة بناء قدرته على تولي الوظيفة الأمنية التي كانت تؤديها قوة "اليونيفيل" جزئيا في الجنوب.
وأوضح حلال، في حديث مع الأناضول، أن "القراءة الأدق" لما جرى في باريس "تتمثل في الانتقال من مفهوم دعم الجيش اللبناني إلى إعادة بناء قدرته على تولي الوظيفة الأمنية في الجنوب ضمن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة"، مشيرا إلى أن هذا التوجه تتبناه دول غربية ويؤيده لبنان.
وأضاف أن الدعم المقترح في باريس بدا مرتبطا بـ"خطة انتشار لبنانية واضحة وواقعية وقابلة للتنفيذ"، وأن المساعدات المالية والتجهيز والتدريب ترتبط بقدرة الجيش على تنفيذ تلك الخطة.
وأشار حلال إلى أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790، الذي مدد ولاية "اليونيفيل" حتى 31 ديسمبر 2026، نص على أن الانسحاب التدريجي للقوة يهدف إلى جعل الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في الجنوب.
وقال إن السؤال لم يعد، وفق هذا الطرح، "ماذا يحتاج الجيش من سلاح وعتاد؟"، وإنما "ماذا يستطيع الجيش أن يفعل بهذا السلاح والعتاد على الأرض؟"، معتبرا أن ذلك يدخل في صلب مسألة حصرية السلاح بيد الدولة.
ولفت حلال إلى أن بعض الطروحات الدولية تربط تعزيز قدرات الجيش بمراحل أداء قابلة للقياس، تبدأ ببناء قدرات الوحدات، ثم الانتشار، وصولا إلى الانتقال التدريجي للمسؤولية الأمنية إلى الجيش، مشيرا إلى أن هذا الطرح ظهر في تحليلات أمريكية تتناول مرحلة ما بعد "اليونيفيل".
لكنه شدد على ضرورة التمييز بين "شرط معلن رسميا" وبين توجه سياسي واستراتيجي لدى الدول المعنية، مؤكدا أنه لا يمكن القول إن شروط الدعم أصبحت "شرطا تعاقديا معلنا" من الدول المانحة.
وبشأن احتياجات الجيش، أوضح حلال أن المسألة لا تتعلق فقط بزيادة عدد العناصر، وإنما تتطلب "منظومة قدرات كاملة"، تشمل القدرة على الانتشار والسيطرة، وزيادة الوحدات القتالية والهندسية واللوجستية، وإنشاء نقاط ثابتة ومراكز للقيادة والسيطرة، إلى جانب شبكة متطورة للمراقبة والاتصالات.
وأضاف أن الاستطلاع والمراقبة يمثلان إحدى أبرز الفجوات التي يواجهها الجيش، مشيرا إلى حاجته إلى طائرات مسيرة ورادارات وقدرات للمراقبة الإلكترونية واتصالات آمنة بما يتيح له بناء "صورة عملياتية مستمرة للجنوب، وليس مجرد وجود جنود على الأرض".
كما تحدث عن حاجة الجيش إلى وسائل الحركة والحماية، ومنها الآليات المدرعة ووسائل النقل والمعدات الهندسية ووسائل إزالة الألغام والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، فضلا عن وسائل حماية القوات.
وحذر حلال من أن الانتشار من دون القدرة على الحركة والحماية قد يتحول إلى "وجود رمزي".
واعتبر أن الاستخبارات العسكرية تمثل عنصرا أساسيا في هذا السياق، موضحا أنه إذا كان المطلوب أن يصبح الجيش صاحب القرار الأمني على الأرض، فإنه لا يستطيع الاعتماد فقط على المعلومات التي يحصل عليها من أطراف أخرى.
وقال إن الجيش يحتاج إلى "قدرات استخبارية وطنية مستقلة" تمكنه من اكتشاف مواقع السلاح ورصد الأخطار القادمة من الجانب الإسرائيلي، إضافة إلى متابعة تحركات المسلحين.
ورأى أن "القدرة على تنفيذ القرار السياسي تمثل العقدة الأكبر"، مشيرا إلى أن المعدات وحدها لا تكفي في حال صدور قرار من الدولة بحصر السلاح، "بل يحتاج الجيش أيضا إلى غطاء سياسي وقواعد اشتباك واضحة وسلسلة قيادة موحدة وقدرة قانونية لتنفيذ مهماته".
من جهته، قال المحلل السياسي والكاتب الصحافي وجدي العريضي إن لقاء باريس لم يكن وفق ما نقلته إليه جهات معنية "فاشلا أو ناجحا"، وإنما كان "لقاء تحضيريا" لدعم لبنان، ولا سيما الجيش.
وأضاف العريضي، في حديث مع الأناضول، أن هناك اهتماما أردنيا بدعم لبنان والجيش، مشيرا إلى أن عمان سبق أن قدمت أسلحة للجيش اللبناني خلال أزمته الاقتصادية، فيما ترتبط باريس بلبنان بعلاقات تاريخية وثقافية واجتماعية.
لكنه اعتبر أن مسألة دعم الجيش "ليست بهذه السهولة"، في ظل استمرار الحرب وإمكانية تطورها قبل الانتخابات الإسرائيلية، إلى جانب ارتباط الوضع اللبناني بما يجري في سوريا والعراق والخليج.
وأوضح العريضي أن دعم الجيش وتسليحه يرتبط، وفق قراءته، بأكثر من مسار، في مقدمتها مسألة سلاح "حزب الله" وانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني.
واتخذت الحكومة اللبنانية في يوليو/ تموز 2026 قرارا بإنهاء الوجود العسكري لحزب الله وحصر استخدام القوة بيد الدولة، بينما بقي تنفيذ نزع السلاح موضع خلاف، مع ربط ترتيبات الجنوب بانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني.
وقال العريضي إن "حزب الله" لن يسلم سلاحه إلى الدولة اللبنانية، مستشهدا بتصريحات لنواب ومسؤولين في الحزب أكدوا فيها بقاء السلاح.
وأفاد بأن إسرائيل لن تنسحب في المدى المنظور من الجنوب، مستذكرا دخولها لبنان عام 1982 وانسحابها عام 2000.
وأضاف أن "مناورات كثيرة" تجري في هذا الإطار، مشيرا إلى أهمية تحركات رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام مع الدول المعنية من أجل مساعدة لبنان.
وأشار إلى أن الأطراف المعنية تدرك أن الأمور مرتبطة بمسار سلاح "حزب الله"، فضلا عن مستقبل التحركات الإسرائيلية، متسائلا عما إذا كانت إسرائيل ستواصل الحرب أو توسع نطاقها، وما إذا كان الجنوب اللبناني سيرتبط ميدانيا بجنوب سوريا.
ولفت العريضي إلى أن تقديم الدول المانحة دعما فعليا للبنان، ولا سيما للجيش، يرتبط أيضا بموقف الولايات المتحدة، معتبرا أن مشاركة السفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى في المؤتمر التحضيري بباريس تعكس أهمية الدور الأمريكي في هذا المسار.
وقال إن هذه الملفات تبقى موضع ترقب وانتظار من واشنطن، قبل تحديد موعد مؤتمر الدول المانحة، معتبرا أن انعقاد المؤتمر والدعم الفعلي للجيش اللبناني يشكلان "بيت القصيد" في المرحلة المقبلة.
ومنذ 2 مارس/ آذار الماضي، تشن إسرائيل عدوانا على لبنان، أسفر عن ما لا يقل عن 4 آلاف و386 قتيلا و12 ألفا و407 جرحى، وأكثر من مليون نازح، وفق السلطات اللبنانية.
وتواصل إسرائيل عدوانها رغم توقيع البلدين، برعاية أمريكية في 26 يونيو/ حزيران الماضي، اتفاق "صيغة إطار" ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها، ونزع سلاح "حزب الله".
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوبي لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة تزيد على 10 كيلومترات.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
