بغداد/ هادي حسن-إبراهيم صالح/ الأناضول
وسط المعارك وبين ألغام زرعها تنظيم "داعش" وقناصة نشرهم أعلى الأبنية، ينزح سكان من مدينة الموصل مركز محافظة نينوى شمالي العراق؛ هربا من القتال ونقص مقومات الحياة، وأملاً في إيجاد مناطق آمنة نسبياً علّها تخفف معاناتهم.
وبعد السير لمسافات طويلة محفوفة بمخاطر لا حصر لها، يكتشف النازح من الموصل في مخيمات النزوح مظاهر لمعاناة من نوع آخر، أبرزها وجود "مخبرين سريين" يشون بهم، وبرد قارس لا يجدون ما يقيهم منه.
وخلال سنوات الفوضى التي أعقبت إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، عام 2003، اعتمدت الأجهزة الأمنية على "المخبرين السريين" لاعتقال عشرات آلاف من الأشخاص؛ بتهمة "الارتباط بمتشددين إسلاميين".
ورغم أن الحكومة قررت الاستغناء عن هذه الآلية في عمل أجهزتها الأمنية بعد مطالبات متكررة من السُنة وتقارير حقوقية محلية ودولية عن انتهاكات بحق أبرياء، إلا أن هؤلاء "المخبرين" ينشطون في المخيمات ويزرعون الرعب في نفوس النازخين.
"عبد الرحمن الأنصاري"، وهو أحد المشرفين في مخيم "الجدعة 17" قرب قاعدة القيارة (٦٠ كلم جنوب الموصل)، قال إن "النازح يواجه معاناة جديدة وخطيرة، وهو الواشي، أي المخبر السري الذي يقدم للأجهزة الأمنية معلومات غير دقيقة أحياناً عن نازحين رجال، ما قد يتسبب في اعتقالهم".
وفي حديثه مع الأناضول، حذر الأنصاري، من أن "عمل الواشي في المخيمات قد يعرض حياة نازحين إلى الخطر، بسبب اتهامهم بالعمل مع تنظيم داعش الإرهابي خلال العامين الماضيين"، أي منذ سيطرة التنظيم على مدينة الموصل، ذات الأغلبية السنية، في يونيو/ حزيران 2014.
وفي الموصل، ثاني أكبر مدن البلاد بعد بغداد من حيث عدد السكان، لا يزال يعيش قرابة 1.5 مليون نسمة، نزح منهم أكثر من 50 ألف شخص على مدار نحو أربعة أسابيع، بحسب وزارة الهجرة والمهجرين العراقية التي تتوقع أن يرتفع عددهم إلى 500 ألف نازح مع استمرار العمليات العسكرية في المدينة.
ويتوجه النازحون إلى مخيمات أقامتها منظمة الأمم المتحدة خارج الموصل، منها: ديبكة بقضاء مخمور (115 كم جنوب شرق)، وزيليكان قرب ناحية بعشيقة (12 كلم شمال شرق)، وحسن شام بناحية الخازر (40 كم شرق)، والعلم في تل السيباط (15 كم شرق تكريت).
فيما يقصد آخرون من الموصل مخيمات أنشأتها الحكومة العراقية، منها: منطقة الخازر (40 كم شرق الموصل)، والشيخان بقضاء الشيخان (45 كم شمال)، وقرية الجدعة بمنطقة القيارة، ومنطقة جمجمال بين مدينتي كركوك والسليمانية، وآخر في مدينة كركوك، بحسب ما صرح به للأناضول المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين، ستار نوروز.
وفضلاً عن معاناتهم من وجود مخبرين سريين، يعاني النازحون أوضاعاً معيشية صعبة للغاية، لا سيما في ظل برد قارس يبدو أن القائمين على المخيمات لم يستعدوا جيدا لحماية ساكنيها منه.
فوضع العائلات في مخيمات النزوح، بحسب فراس سالم، وهو ناشط في منظمات المجتمع المدني "مأساوي للغاية.. هم بحاجة إلى زيادة الدعم، خاصة مع دخول فصل الشتاء.. يحتاجون وقوداً وملابس شتوية، فالبرد هنا قارس، وأغلبهم يعانون من الإسهال نتيجة البرد الشديد، وربما يتحول الأمر إذا لم تتوفر الرعاية الصحية الجيدة، إلى أمراض أخرى لا يمكن السيطرة عليها".
وحذرت هيئة الأرصاد الجوية العراقية، في بيان لها تلقت الأناضول نسخة منه، من طقس غائم وممطر، خلال الأيام القليلة المقبلة، في الأجزاء الشمالية من البلاد، وهو "ما ينذر بتعرض النازحين إلى مزيد من الأمراض"، بحسب سالم الذي دعا في حديث مع الأناضول، الحكومة الاتحادية والمجتمع الدولي إلى "تشكيل فرق طبية وصحية لتلبية متطلبات النازحين في المخيمات".
وإلى جانب الاحتياجات المعيشية، يحتاج نازحون إلى دعم نفسي، إذ أضاف الناشط العراقي أن "أمهات في المخيمات يحتفظن بصور لأزواجهن أو لأبنائهن الذين قتلهم عناصر تنظيم داعش.. هؤلاء النسوة بحاجة الى إعادة تأهيل للاندماج من جديد في المجتمع".
رئيس غرفة عمليات إغاثة وإيواء النازحين في إقليم شمال العراق، ضياء صلال مهدي، أشار إلى أن "النازحين يتلقون وعودا بمساعدات من منظمات دولية أو من الحكومة الاتحادية.. هي وعود لا يشعرون معها بالراحة بينما يكابدون ظروفا معيشية صعبة جدا".
معاناةٌ تشمل حتى متطلبات الاستمرار على قيد الحياة، حيث يعاني النازحون، بحسب ما ذكره مهدي للأناضول، من "قلة الطعام.. حيث أنهم يأكلون العدس والفاصوليا فقط مرتين يوميا، ومياه تكفيهم فقط للشرب والغسيل مرة واحدة يوميا".
وتشكو وزارة الهجرة والمهجرين من نقص حاد في التمويل؛ جراء الأزمة المالية التي يعانيها العراق؛ بسبب تهاوي أسعار النفط وزيادة نفقات الحرب في مواجهة "داعش"، الذي سيطر في صيف 2014 على ثلث مساحة العراق.
وقال وزير الهجرة والمهجرين، محمد الجاف، في مؤتمر صحفي ببغداد، أمس الأول الإثنين، إن الوزارة تملك أقل من ثلاثين ألف دولار، وتنتظر تمويلا من وزارة المالية.
ومع هذه الأزمة المالية والإنسانية، تواصل جهات عراقية عدة، منها الوقف السني، إرسال قوافل تحمل مساعدات غذائية وغيرها إلى مخيمات النزوح، وأحدثها في ناحية حمام العليل المحررة جنوب الموصل، حسب بيان للوقف السني.
ولا تبدو لمعاناة النازحين من الموصل نهاية قريبة في الأفق، رغم أن العملية العسكرية لتحرير المدينة توشك على إكمال شهرها الأول، بمشاركة عناصر من الشرطة والجيش العراقي، وقوات الحشد الشعبي (مليشيات شيعية)، و"حرس نينوي" (أبناء عشائر)، والبيشمركة (جيش إقليم شمال العراق)، فضلا عن غطاء جوي ودعم عسكري يوفره التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم إعلان الجيش العراقي عن تحرير عشرات البلدات والقرى في الموصل، إلأ أن "داعش" يُبدي مقاومة شرسة في حرب شوارع يخوضها داخل معقله الأخير بالعراق، حيث يشن هجمات انتحارية، ويستخدم سياسات مفخخة وعبوات ناسفة، وينشر الكثير من القناصة فوق أبنية المدينة.
واتهمت منظمة العفو الدولية، الأسبوع الماضي، "داعش" بتنفيذ تصفيات جسدية بحق مدنيين واستخدام آخرين دروعا بشرية.
كما اتهمت المنظمة الدولية، ومقرها لندن، عناصر في القوات العراقية بارتكاب عمليات تعذيب وتصفية جسدية بحق مدنيين في المدينة؛ بدعوى تعاونهم مع داعش، وهو ما نفت صحته الحكومة العراقية.
news_share_descriptionsubscription_contact
