القيروان/ ناجح الزغدودي/ الأناضول
منذ مئات السنين تستوطن قبيلة "جلاص" ريف محافظة القيروان وسط تونس، متمسكة بتقاليد الفروسية الراسخة، التي اقترنت بالمقاومة والشجاعة وقيم الحرية والكرم، منذ أزمنة كانت فيها الجياد تعوّض دبابات اليوم في الحروب.
ورغم مرور الزمن، إلا أن أفراد القبيلة، الذين يشكلون أغلب سكان أرياف القيروان، لم يتخلوا عن فروسيتهم، ففي كل عام يجتمعون "بعاصمتهم" منطقة "بوحجلة" (30 كلم جنوب القيروان) في المهرجان المغاربي للفروسية، بحضور فرسان من مختلف بلدان المغرب العربي.
فرسان المغرب العربي، ينزلون مضمار السباق، ليقولوا إن "الفرسان الذين قاوموا الاستعمار الإيطالي في ليبيا، والفرنسي في تونس والجزائر والمغرب، لا يزالون أوفياء لتقاليد آبائهم وأجدادهم، ولن ينزلوا عن صهوة أحصنتهم".
وفي نهاية الأسبوع الماضي، أدرك المهرجان المغاربي للفروسية في "بوحجلة" عامه الثالث والعشرين، حاملا معه العديد من الفعاليات الثقافية والتراثية التي تشترك فيها شعوب المغرب العربي، وأبرزها سباق الفروسية والاستعراض والرماية، حيث حضر فرسان من الجزائر، وليبيا، وتونس، بينما غاب فرسان من المغرب لأسباب تنظيمية أساسها الدعم المادي.
عشق ركوب الخيل، والحماسة من أجل الفوز، قواسم مشتركة بين الفرسان المشاركين في سباق الخيل على صهوات خيول جامحة، وسط آلاف من الجماهير التي بدت أشد حماسة، وتتحرك مثل الأمواج في كل اتجاه، يلاحقون ركب الفرسان كأنهم معنيون بالفوز.
تخصيص مضمار السباق خارج المناطق العمرانية، جعل المشهد العام أشبه بحقبة تاريخية مضت من أمجاد الفروسية، لولا مئات السيارات العصرية، منها سيارات للشرطة وآلات التصوير.

وتحتفظ "بوحجلة" بقائمة أبطال، تركوا بصماتهم في الفروسية وسباقات الخيول، منهم مقاومون أشاوس تحدث مؤرخون عن صلابتهم وقوتهم وشهامتهم في مقاومة الاستعمار أورثوا أبناءهم وأحفادهم حب الفروسية، وقيم الكرم والحرية والشهامة.
مربي الخيول "فهمي بلعوني" (أربعيني)، يتحدث للأناضول، عن ولعه بركوب الخيل الذي توارثته العائلة أبا عن جد، قائلا: "ورثت عن جدي سرجا يعود إلى العام 1963".
ويضيف أنه مولع بتربية الخيل وركوبها منذ طفولته، مشيراً أن هذه العادة بدأت تنتعش بعد انتكاسة شهدتها نتيجة التكلفة الباهظة لتربية الخيل، في ظل غياب الدعم الرسمي، معتبرا أن المهرجان مناسبة للاحتفاء بالفروسية ورد الاعتبار للفارس.
وارتبطت الفروسية لدى أهالي منطقة "جلاص" إلى اليوم، بالمقاومة والشجاعة، وقيم الحرية والكرم، فيما يعد المهرجان مناسبة لإحياء هذه القيم.
"علي بن محمد بن عمار الميراوي" رغم بلوغه 69 عاما، يواصل هوايته في ركوب الخيل بنفس حماسته وهو في التاسعة من عمره، عندما شارك في أول سباق له على حصان جده، هكذا يقول الفارس للأناضول.

وشارك الميراوي في المهرجان الأخير في "بوحجلة" مساهمة منه في رد الاعتبار للفروسية، مع الرغبة في الفوز بالجائزة المالية، متابعا: "بمجرد امتطاء صهوة الحصان يتملكني شعور بالشجاعة والحماسة (..) الفارس حر، ولا يتبع أي حزب سياسي".
ويقدم "الميراوي" نفسه بأنه يعرف جميع التفاصيل عن الخيل، خصوصا الخيول البربرية وكيفية تربيتها وعلاجها، غير أنه لا يخفي صعوبة تربية الخيل، بسبب ما تطلبه من عناية مؤكدا أنها "ثروة" حيوانية.
وشد انتباه آلاف الحاضرين مشاركة فرسان من ليبيا وتقديمهم استعراضا للفروسية يسمى "المداوري"، وهو شكل من أشكال السباق، يكون الفرسان باتجاه محدد وعند إشارة الانطلاق تدور الخيل وتتسابق في الاتجاه العكسي، وهي اختبار لقدرة الفارس على التحكم في جواده، وتبرز لوحة فنية تراثية يستعرض فيها مواهبه ولباسه المميز، وتبرز فيه قوة الحصان التي تجمع بين السرعة والاستعراض.
"عبد المولى خليفة الواعر" (25 عاما)، أصغر أفراد كتيبة الفرسان الليبيين الحاضرة في المهرجان من قبيلة "قماطة العربان"، وأحد أعضاء نادي الفروسية، يقول للأناضول: "تعلمت الفروسية عن جدي من الأب والأم، وما زلت متمسكا بنفس المسار (..) والفروسية مرتبطة بالتراث الشعبي وهي هواية تعودنا عليها".
"هناك شعور بالقوة والحرية، وتشعر كأن لديك شيئا قويا، كما تعبّر عن قيمة إنسانية أهمها الأخلاق الحسنة والكرم والشجاعة"، يقول الفارس الليبي محمد القماطي، مضيفا أن الفروسية تربط الصلة بين القبائل، وقدّم مثالا، تصاهر بين فرسان ليبيا وتونس.
ويتابع حديثه للأناضول: "الفروسية تقوي الروابط بين شعوب المغرب العربي (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا) من خلال الشعور المتصل بالتاريخ المشترك".
الفارس التونسي علي بن صالح غريبي (82 عاما) بدأ عشقه لركوب الخيل منذ عام 1949، عندما كان في السابعة من عمره، حيث نشأ في فترة الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956)، وشأن أبناء منطقة "جلاص" عاش ملاحم خلال مقاومة الاستعمار.
ويذكر الفارس أنه تم تكليفه بين العامين 1953 و1954، بحمل السلاح والمؤونة إلى الثوار في الجبال، خلال معارك التحرير.
وبعد الاستقلال، يذكر الفارس "الطاهر بن علي بن قاسم الغريبي" (88 عاما)، أنه كان ضمن 300 فارس توجهوا من "بوحجلة" إلى قصر قرطاج (حوالي 200 كلم) على صهوات الجياد، لاستقبال أول رئيس للجمهورية التونسية، الحبيب بورقيبة سنة 1955.
لكن ما يثير استياء الفارس "الطاهر"، هو أنه لم يستطع أن يورّث أولاده ولا أحفاده الفروسية، لكونهم لم يهتموا بها.
ومن بين الفائزين في سابق الفروسية، الفتى "عزيز الرمضاني" (16 عاما) الذي حل في المرتبة الأولى، وسبق مدربه "حامد الحامدي" الذي حل في المرتبة الثانية، وكلاهما لا يمتلكان خيولا، وإنما ينشطان في مركز خاص للفروسية.
ويقول الفتى التونسي، إنه يأمل أن يجد الاهتمام والدعم اللازمين ليواصل ممارسة هواية ركوب الخيل المولع بها.
"مغرب عربي واحد" شعار رفعه المهرجان المغاربي للفروسية، هدفه كما يقول "يوسف الصيداوي"، مدير المهرجان للأناضول "أن تكون الحدود بين دول المغرب العربي حدود تقنية، والتأكيد أن الشعبين العربي والمغاربي شعب واحد، يحمل نفس الهموم والأحلام والتاريخ وقيم مشتركة، وأن الحدود بينهم هي حدود وهمية".
و"الصيداوي" هو فنان مسرحي، يعبّر فوق خشبة المسرح عن هموم الناس ومشاغلهم، لذا يعتبر الفارس "حامل رسالة وحامل أحلام الناس، كما يحمل جوانب إنسانية وحضارية".
ويضمّ قطاع الخيول في تونس، حسب الأرقام الرسمية، حوالي 5 آلاف حصان عربي أصيل، وأكثر من 20 ألفا من الخيول البربرية، إضافة إلى حوالي ألف حصان إنجليزي.
news_share_descriptionsubscription_contact
