تونس/يسرى ونّاس/الأناضول
تشهد تونس حالياً، حالة من الجدل واكبت إحيائها للذكرى الستين لصدور "قانون الأحوال الشخصية" الذي شمل عدة تغييرات جوهرية داخل الأسرة، وهو اليوم الذي يعرف أيضا في البلاد بـ"عيد المرأة" ويوافق 13 من أغسطس/آب من كل عام.
وجاء الجدل الذي تزامن مع الذكرى، بسبب مشروع قانون حول "القضاء على العنف ضد المرأة"، الذي صادقت عليه الحكومة، ومرر أواخر يوليو/تموز الماضي إلى البرلمان من أجل مناقشة فصوله والتصويت عليه.
ويعد الفصل السادس عشر من المشروع والذي ينص على أنه "يعاقب بالسجن مدة عام كل من يعمد إلى مضايقة امرأة في مكان عمومي، بكل فعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو اعتبارها أو تخدش حياءها"، واحدا من أكثر البنود التي تفاعل معها التونسيون سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو في المنابر الإعلامية، معتبرين من خلاله أن نص القانون لم يكن واضحا وأنه قابل لتأويلات عديدة، إضافة إلى رفض البعض عقوبة السجن.
وفي هذا السياق، قالت هند الشناوي، الناشطة النسائية، للأناضول إن "هناك خلط بين مفهومي التحرش والغزل في هذا النص، وتتحمل مسؤولية ذلك وزارة المرأة التي ومنذ أن بدأت تعمل على المشروع كان هناك تعتيم وخوف كبير وارتباك في تقديمه، فلم يكن هناك تواصل مع الجمعيات بخصوصه".
وأضافت أن "الضجة التي صاحبت الفصل 16 من هذا المشروع لم تكن لتحدث لو تم إشراك المجتمع المدني في إعداد القانون، والقيام بحوار وطني حول الإصلاحات الضرورية للقضاء على ظاهرة التحرش"، مبينةً أن "الرجال أصبحوا يخافون اليوم من إمكانية استعمال هذا القانون للانتقام، وهذا أمر طبيعي فالعدالة اهتزت كثيرا في تونس وليس لديهم ثقة في القضاء".
وحماية حقوق المرأة - من وجهة نظر الشناوي- "ليست مجرد قوانين فقط وإنما توعية وتثقيف بأهمية المساواة بين الجنسين، وفي حق المرأة في ممارسة حياة عادية وطبيعية في الفضاء العام (الأماكن العامة)".
ولكنها تعتبر في المقابل أنّ "المشروع في مجمله مقبول كونه توفر على جانب الإحاطة والوقاية والردع"، مشيرة إلى "أنه ضم أيضا أفكارا تدافع عنها الجمعية وتطالب بها".
من جانبها، رأت رئيسة جمعية النّساء الدّيمقراطيات (مستقلة)، منية بن جميع، في حديث للأناضول أنه "من غير المعقول أن يسلط القانون عقوبات فقط عندما تكون الضحية امرأة، لأن التحرش قد يتعرض له الرجل أيضا".
وتابعت في ذات الصدد "سجوننا فيها اكتظاظ كبير، وربما يحدث لمن تم سجنه (على خلفية التعرض لمرأة)، الاختلاط مع مساجين آخرين في قضايا أكثر خطورة فيصبح بدوره مجرما".
نائبة رئيسة جمعية تونسيات (مستقلة)، منية مزيد، قالت أيضا إنه "يجب التدرج في تسليط العقوبات، فلا يجب المبالغة فيها حتى لا يُصبح القانون السيف المسلط في كل الحالات،" معتبرة أنّ "القانون في مجمله لا يدعو إلى الصلح بل يجعل العقوبة في المقدمة".
وأضافت في السياق نفسه أنّ "تنظيم المجتمع وتحسينه لا يأتي بالردع، بل يجب أن تصاحبه الوقاية وذلك من خلال عمل المؤسسات التربوية ووزارة المرأة، وبعث القيم والأخلاق وسط الجيل الناشئ حتى يتم تفادي كل ذلك".
أما ما تعيبه جمعية "تونسيات" من خلال كلام نائبتها في مشروع القانون أنّ "فصوله بقيت غير واضحة، وأنه بوّب العنف إلى عدّة تصنيفات، كالعنف الجنسي واللفظي والجسدي والنفسي، وهنا يمكن من خلاله الانحياز لطرف دون آخر ما قد يخلق عنفا مضادّا من قبل الطرف المقابل".
وأضافت "مزيد"، أن "النص القانوني لم يتطرق بشكل واضح للعنف الاقتصادي وهو عنف موجود في المجتمع، بل اكتفى بالقول إنه يجب أن يكون لكل من المرأة والرجل نفس الأجر إذا كانا يؤدّيان نفس المهمة"، لافتة أن "المرأة في تونس مسلط عليها العنف الاقتصادي المتمثل في كونها معاقبة في حالة الحمل والولادة مثلا بصورة غير مباشرة تكون فيها مضطرة إلى إجازات مرضية تكون لها انعكاسات سلبية على مسارها المهني فيما بعد".
وفي المقابل، رأت "مزيد" أن "ما هو إيجابي توفره (تضمن القانون) على عقوبات في قضايا العنف الجنسي ضد الأطفال والفتيات دون سن الرشد (أقل من 18 عاما) تصل إلى السجن مدى الحياة".
وزيرة المرأة التونسية، سميرة مرعي، ردت على ما سبق في تصريحات للأناضول، بالقول إن "القانون أعددناه في الوزارة بمشاركة كل الجمعيات والخبيرات التونسيات على مدى سنتين ونصف"، مضيفةً أنه "عكس ما يروج له فإن المشروع يكرس حماية المرأة ويدعو إلى الاحترام المتبادل بين الطرفين (..) نريد من خلاله خلق ثقافة اللاعنف وهو ليس مجحفا كما يراه البعض".
مشروع القانون-بحسب الوزير التونسية- لم يأت "ليضع الجميع في السجن بل فيه جانب وقائي وحمائي وردعي (العقوبات)، ولا يمكن لأي قانون أن لا يضم الجانب الردعي.
الجدل الذي شاب الأوساط الحقوقية النسائية، انتقل أيضا للشارع التونسي الذي استطلعت الأناضول آراء عدد منهم، فالتونسية "ليلى منات"، وهي في الأربعين من عمرها ومقيمة في فرنسا، عبرت عن إعجابها ودعمها لمثل هذه القوانين "التي تنصف المرأة وتقلص من مظاهر العنف ضدّها"، مشيرة إلى أنه "لا يوجد قانون خلق ليلحق الضرر بأحد يحترم غيره دون تطاول أو تجاوز لحدوده".
وفي نفس الاتجاه، قال رضوان الملاغي، وهو شاب تونسي في الثلاثينات ويعمل محاسبا، إنه "ضد ممارسة العنف بغض النّظر عن مصدره رجلا كان أو إمرأة"، معربا عن أمله في أن "تكون فصول القانون واضحة وغير قابلة للتأويل، حتى لا يكون هناك مخافة من العقاب".
أما "وجيه الفتيتي" شاب في العشرينات من عمره، اعتبر أنه "من غير المعقول تسليط عقوبة السجن على مجرد مغازلة فتاة تعجبه في الشارع،" معتبرا أن "في ذلك نوع من الإجحاف".
وبحسب إحصاءات وزارة المرأة التونسية فإن " 47.6% من النساء تعرضن لأحد أنواع العنف، وأن نسبة 53.3% من النساء تعرضن إلى العنف في الفضاء العام (الأماكن العامة)، كما أنّ نسبة الأطفال ضحايا العنف داخل الأسرة تبلغ 93%".
يشار إلى أن الحكومة التونسية قد صادقت على مشروع القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضدّ المرأة في 13 يوليو الماضي، بمبادرة من وزارة المرأة والأسرة والطفولة، ويندرج هذا القانون الأساسي في إطار ما نصّ عليه الفصل 46 من الدستور، بحسب وثيقة تابعة لوزارة المرأة.
ونص الفصل 46 من الدستور على أن "الدولة تلتزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها كما أنها تضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات وتسعى إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة، وتتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة".
واعتمدت تونس عام 1956 مجلة (قانون) الأحوال الشخصية الذي منح المرأة مزيدا من الحقوق وألغى تعدد الزوجات والطلاق.
وفي آخر إحصاء للسكان حسب الوسط والفئة العمريّة في تونس خلال 2014، فإنّ نسبة النساء قدّرت بـما يقارب عن 51 بالمائة من إجمالي عدد السكان الذي وصل إلى نحو 11 مليون.
news_share_descriptionsubscription_contact
