العراق (نينوى)/ أحمد قاسم، عارف يوسف /الأناضول
على مدى ثلاثة أشهر من المعارك العنيفة في مدينة الموصل، شمالي العراق، كان المدنيون عرضة لغارات جوية مميتة قال مسؤولون ومراقبون إنها "وقعت بطريق الخطأ" من طائرات التحالف الدولي أثناء تأمينها الغطاء الجوي للقوات العراقية في الحرب ضد تنظيم "داعش" الإٍرهابي.
ولم يقدّم من تحدثت إليهم الأناضول ما يثبت أن طائرات التحالف الدولي هي من تقف وراء تلك الغارات المميتة، لكن توجيه أصابع الاتهام إليها تبدو نتيجة طبيعية، على اعتبار أنها المعنية بالدرجة الأساس بضرب أهداف "داعش" بالموصل، بينما تتولى الطائرات العراقية في الغالب مهمة تأمين أطراف المدينة ولا سيما من جهة الغرب.
وحالات قليلة تلك التي اعترف فيها التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، بسقوط ضحايا في صفوف المدنيين عن طريق الخطأ، في الغارات التي تنفذها طائراته في الموصل أو في مختلف المحافظات بالعراق وسوريا، وتأتي بعد تحقيقات مطولة قد تستغرق أشهرا وقد تقلل من عدد الضحايا، بحسب تقارير إعلامية دولية.
ففي 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، قالت القيادة العسكرية الأمريكية للشرق الأوسط (سنتكوم) في بيان لها، إنه خلال الأشهر الـ12 الماضية، إن الغارات الأمريكية في العراق وسوريا "للأسف تسببت على الأرجح بمقتل 64 مدنيا وإصابة ثمانية آخرين".
وقال العقيد جون تي توماس، المتحدث باسم "سنتكوم" في بيان حينها، إن الغارات المسؤولة عن هذه الخسائر "نفذت في ظل الاحترام التام لقوانين الحرب ومع اتخاذ إجراءات وقائية" لتفادي سقوط مدنيين.ما يعني أنه لن تكون هناك ضرورة لإجراء مزيد من التحقيقات ولا ستكون هناك ملاحقات.
لكن موقع "airwars.org" قال إن "ألفين و301 مدني على الأقل قتلوا، في غارات جوية للتحالف الدولي في العراق وسوريا، خلال 894 يوما (إلى غاية منتصف نهار 24 يناير/ كانون الثاني 2017)".
وأشار الموقع الذي يضم مجموعة من الصحفيين الذين يقومون برصد الضحايا المدنيين للغارات الجوية للتحالف الدولي يوما بيوم، إلى أن التحالف أطلق 65 ألف و731 قنبلة وصاروخا خلال 17 ألف و688 غارة جوية في العراق وسوريا.
- قلق المدنيين
منتظر الزبيدي، المراقب للشأن الموصلي ومسؤول منظمة الغد الإنسانية (غير الحكومية)، قال للأناضول، إن "الغارات الجوية التي تنفذها طائرات التحالف الدولي، أصبحت مصدر قلق للأهالي داخل المدينة وخارجها وجميع المعنيين والمهتمين بالشأن الموصلي".
وأضاف أن "طيران التحالف الدولي ارتكب خلال أقل من أربعة شهور، أخطاء أودت بحياة عشرات المدنيين وتسببت بإعاقة مستديمة لعشراتٍ آخرين لا ذنب لهم".
وتابع الزبيدي أن "طائرات التحالف الدولي وجهت في 16 ديسمبر/ كانون الأول 2016، ضرباتها الجوية لثلاثة منازل سكنية في الحي الزراعي شمالي الموصل، ما خلف قتلى وجرحى بين صفوف المدنيين، ولم تمضِ سوى أيام قليلة حتى عاد طيرانه ليوجه ضرباته نحو منزلين تقطنهما عائلات مدنية في حي المالية بالمحور الشمالي"، مشيرا إلى أن "جثث الضحايا ما زالت تحت الأنقاض ولم تعرف حصيلتهم".
الزبيدي، أشار إلى أنه "في 3 يناير الجاري، قصفت طائرات التحالف أربعة منازل في منطقة الموصل الجديدة، في الجانب الغربي للمدينة، مما أودى بحياة 19 مدنيا وإصابة نحو 42 آخرين إصابات الكثير منهم كانت خطرة للغاية".
ولفت إلى أن "طيران التحالف ارتكب في 12 يناير الجاري، خطأ آخر عندما وجه صواريخه المدمرة نحو ثلاثة منازل في حي الضباط شرقي الموصل، ما أدى إلى مقتل جميع سكانها، ولم تعرف حصيلة دقيقة بعددهم كون الكثير منهم مازال تحت الأنقاض".
وأوضح أن "صعوبة التواصل مع المصادر الطبية والأمنية والمدنية داخل الموصل يعقد من مسألة تحديث حصيلة ضحايا القصف الجوي لطيران التحالف من المدنيين العزل".
الزبيدي، بيّن أن "تكرار الأخطاء التي يرتكبها التحالف يدعو إلى القلق ومطالبة الجهات المعنية في التحالف والحكومة العراقية بتوضيح الأمور وتقديم تبريرات مقنعة عن الأسباب التي أدت إلى الوقوع بهذه الأخطاء وراح ضحيتها أبرياء لا ذنب لهم، كذلك يجب تعويض المتضررين من هذه الغارات ماديا ومعنويا".
وبدأ التحالف الدولي منذ 9 أغسطس/ آب 2014، حملته الجوية ضد تنظيم "داعش" في الموصل وأطرافها، ضمن خطة الهدف منها تدمير قدراته العسكرية.
ومنذ ذلك الحين، شن التحالف مئات الطلعات الجوية الناجحة التي كبدت التنظيم خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وتسببت بتراجع مستواه القتالي وخسارته للكثير من الأقضية والنواحي والقرى والمناطق المحيطة بالموصل فضلا عن نصف المدينة.
لكن الغارات الخاطئة تثير غضب الكثيرين من بينهم نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب العراقي، نايف الشمري.
وقال الشمري، للأناضول، إن "تكرار الأخطاء يصعّب مهمة تحرير الموصل من سيطرة داعش، ويدفع بالمدنيين الذين ما زالوا يقبعون تحت سيطرة التنظيم إلى مقاطعة قوات التحرير وعدم التعاون معها".
ودعا في الوقت ذاته "جميع القوات البرية والجوية إلى توخي الدقة والحذر في تنفيذ العمليات العسكرية ضد داعش لحماية المدنيين والحفاظ على ممتلكاتهم الخاصة والعامة".
الشمري، أوضح أنه "سوف يتم تقديم طلب إلى البرلمان العراقي (لم يحدد موعدا لذلك) يتضمن إدراج فقرة مفاتحة قيادة التحالف الدولي بتوضيح الأسباب التي أدت إلى وقوع طائراته في أخطاء، تسببت بضرر للمدنيين العزل في الموصل من أجل التصويت عليها من قبل أعضاء البرلمان".
سيتم أيضا - بحسب الشمري- مخاطبة السفارة الأمريكية في بغداد "لمناقشة تلك الحوادث وإيجاد الحلول الناجعة التي تمنع تكرارها في المستقبل، لاسيما خلال معركة تحرير الجانب الغربي للموصل (لم يبدأ بعد) الذي يمتاز اكتظاظه بالسكان وقِدم بنائه المعماري".
ويشارك في هجوم استعادة الموصل ائتلاف تسانده الولايات المتحدة يضم 100 ألف من جنود الجيش والقوات الخاصة والشرطة الاتحادية والمقاتلين الأكراد وقوات الحشد الشعبي (فصائل شيعية) ضد بضعة آلاف من الإرهابيين في المدينة.
- جدوى الغارات في حرب الشوارع
الفريق أول ركن طيار، ناظم صاحب العطار، أحد قادة القوة الجوية العراقية، حمّل طيران التحالف مسؤولية تلك الأخطاء "التي يدفع ثمنها المدنيون العزل في الموصل".
وقال إن "التحالف يملك التقنية الأولى في العالم أجمع، وقادة طائراته مدربين على مستوى عال جدا، والغارة التي تنفذ تكون بناءً على كم هائل من المعلومات الاستخباراتية، ما يثير تكرار الأخطاء الكثير من علامات الاستفهام والتعجب".
وأشار العطار، في حديث مقتضب أجرته الأناضول معه في مدينة أربيل شمالي العراق، إلى "عدم جدوى القصف الجوي في حرب الشوارع التي تشهدها الموصل ضد مسلحي التنظيم".
وبين أن "عناصر التنظيم يتجولون بين الأزقة وداخل الأحياء المكتظة بالسكان، وأن قصفهم بواسطة الطائرات يزيد من نسبة تعرض المدنيين العزل إلى خطر الإصابة".
ووفق العطار، فإن "الحل في حرب الشوارع هو دعم القوات المسلحة العراقية البرية بمعلومات استخباراتية، وقصف الأهداف الحيوية للتنظيم بعد التأكد من أنها بعيدة عن المدنيين، وأيضا إجراء إنزال جوي في المناطق الإستراتيجية خلف خط الصد للتنظيم، لبعثرة أوراق التنظيم وقطع خطوط إمداده وإشغاله، وبالتالي سرعة القضاء عليه".
- رواية ضحية
"الأناضول" وبعد جهد كبير نجحت في اللقاء مع "أبو عدنان"، أحد الناجين من غارة جوية دمرت منازل مدنيين وأوقعت ضحايا في حي النور، شرقي الموصل.
وتحدث أبو عدنان، وهو يعصر علبة السجائر التي يحملها بيده اليسرى، قائلا، "في صباح الجمعة الموافق لـ 16 ديسمبر الماضي، كانت الأمور طبيعية حتى اهتزت الأرض تحت أقدامنا بعد صوت مرعب، وبدأ الغبار والدخان يملآن المكان وسط صراخ النساء والأطفال".
وأشار إلى أنه "لم يعرف في بداية الأمر ماذا حدث، وكان همه الأول الاطمئنان على عائلته المكونة من 8 أفراد (زوجة وسبعة أبناء)".
وتابع: "بعد دقائق عدة خرجتُ من بين الأنقاض إلى الشارع مسرعا، ففوجئت بأن النهار تحول إلى ليل، وبعض المنازل المجاورة لمنزله باتت ركاما، والنار تلتهم السيارات وتخرج من النوافذ، وأصبح الأمر لا يصدق، والجميع يركض باتجاهات متعاكسة كأنما جاء يوم الحشر"، لافتا إلى أنه "بعد أقل من ساعة أدركت أنها غارة جوية".
ذكريات الحادث أثرت على أبو عدنان، إلى درجة أدخلته في موجة بكاء شديدة، مؤكدا أن تلك الغارة تسببت بفقدانه اثنين من أولاده الأطفال عندما كانا في فناء المنزل فأصابهما شظايا أودت بحياتهما.
وأوضح أن الغارة "تسببت بقتل ما لا يقل عن 18 مدنيا وجرح 7 آخرين، فضلا عن تدمير منازل بالكامل وإلحاق أضرار جسيمة بمنازل أخرى وسيارات مدنية".
أبو عدنان، بيّن أن فقدانه اثنين من أبنائه والكثير من أصدقائه وتدمير منزله دفع به إلى مغادرة المدينة على وجه السرعة والتوجه نحو أربيل، مركز إقليم الإدارة الكردية شمالي البلاد، بحثا عن الأمان والحياة لأطفاله الذين عاشوا وسط الخوف والجوع طيلة سنوات.
news_share_descriptionsubscription_contact


