26 أبريل 2018•تحديث: 27 أبريل 2018
غزة/ نور أبو عيشة/ الأناضول
منذ انطلاق مسيرة العودة السلمية، في 30 مارس/ آذار الماضي، لم يفارق الصحفي الفلسطيني "أحمد أبو حسين" الميدان.
كان يهرول مسرعا نحو الإصابات لالتقاط صورا يكشف فيها "وحشية الجيش الإسرائيلي"، كما يقول زملاؤه.
ومن مشهد لآخر، كان "أبو حسين" يقفز لتلتقط عدسته كل ما يمكن أن يحشّد التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته.
يقول معارفه ورفاقه، إن أكبر همّه كان التقاط المشهد الأول، وتوثيق اللحظة الأولى من الجرائم التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق المتظاهرين المدنيين السلميين، في منطقة "أبو صفية"، شمالي القطاع.
وفي يوم 13 إبريل/ نيسان الماضي، توجه كعادته لتغطية الأحداث، لكنه لم يكن يعرف أنه بعد أقل من ساعة سيصبح هو ذاته "الصورة الجديدة" التي تتناقلها الوسائل الإعلامية.
**المشهد الأخير
قبيل إصابته، نصحت الصحفية وفاء البس، زميلها "أبو حسين"، الذي كان يرتدي الدرع الصحفي، بعدم الاقتراب من السياج الحدودي كي لا يكون عرضة للرصاص الإسرائيلي.
وقالت له "لقد وثّقت الكثير من الجرائم الإسرائيلية في الأيام السابقة...وهذا يزعج جيش الاحتلال.. احذر فقد تكون أنت الهدف الجديد".
لكنّ "أبو حسين" رفض نصيحة زميلته، وقال لها إنه سيلتقط الإصابات لحظة وقوعها من أجل كشف كذب الجيش الإسرائيلي.
وبينما كان يتقدّم للأمام، ورغم أنه كان يبعد مسافة كبيرة عن السياج الأمني، إلا أن قناصة الجيش الإسرائيلي أصابته برصاصة متفجّرة في "بطنه"، وفق البس.
وفي تلك اللحظة، سقط "أبو حسين" مضرجا بدمائه في منتصف المتظاهرين المشاركين بمسيرة العودة، ليكون هو "الصورة الجديدة، والخبر الجديد".
**في المستشفى
نُقل "أبو حسين" إلى مستشفى الشفاء الطبي، لكن بسبب خطورة وضعه الصحي تمّ نقله للعلاج في إحدى مستشفيات الضفة الغربية، مساء 15 أبريل/ نيسان الجاري.
لكن تدهور وضعه الصحي، دفع الأطباء على نقله إلى مستشفى "تل هشومير" الإسرائيلي، الخميس الماضي.
وبالقرب من سريره الذي كان يرقد عليه في مستشفى "تل هشومير"، وقفت والدته "رجاء أبو حسين" على رؤوس أصابعها، صامته، تضع يدها على رأسه، وكلّها "أمل بشفائه".
ورغم أن الأطباء أبلغوها بإمكانية وفاته قبل ثلاثة أيام من وقوع الوفاة، إلا أنها "لم تفقد الأمل أبدا".
وكان لسانها لا يتوقف عن الدعاء لابنها، الذي كانت أكبر أحلامه أن يضع بصمة في عالم الصحافة –المجال الذي يعشقه.
وتضيف والدته لـ"الأناضول":" أحمد كان جل همّه هو بناء مستقبل صحفي واعد وزاهر".
وكان "أبو حسين" يحرص على تطوير موهبته في التصوير الصحفي بشكل مستمر، وفق والدته.
ورغم أنه لم يتمكن من إكمال دراسته الجامعية في مجال الصحافة حيث اكتفى بـ"دبلوم جامعي"، بسبب ظروفه الاقتصادية، لكنّه أوجد لنفسه فرصة عمل في الميدان؛ بالشراكة مع أصدقائه.
وبسبب شح فرص العمل في قطاع غزة، انضمّ "أبو حسين" لوكالة أنباء محليّة، أسسها مع مجموعة من أصدقائه، وأطلقوا عليها اسم " بيسان".
ولم تقف الظروف الاقتصادية عائقا أمام "عشقه" لمجال الصحافة والإعلام، كما قالت.
ويقول خاله علاء أبو حسين، إن "أحمد بدأ حياة مهنية وهو مليء بالطاقة الإيجابية، ويرغب بتقديم كل ما يملك من أجل مهنة الصحافة".
وأضاف:" كان يعشق مهنة الصحافة، كان يسعي كثيرا من أجل توصيل الصورة الحقيقية للعالم، وكشف بشاعة المحتل واستهدافه للمدنيين".
وعُرف "أبو حسين" بـ"طيبته بين أصدقائه ومعارف، كما أنه كان محبوبا جدا في الوسط الاجتماعي"، كما قال خاله.
**يتيم الأب
"أبو حسين"، الأكبر بين أشقّائه الاثنين (ضياء ولونا)، عاش منذ أن كان في سن الثانية عشر، يتيم الأب.
وحاول "أبو حسين" خلال فترة حياته سدّ الفراغ الذي تركه والدهم لدى "ضياء ولونا".
وتقول والدته "رجاء" إنه كان "حنونا جدا، وطيبا، ولا يقوى على أن يمسّ أحد أخوته بضيق".
كما أنه كان يحلم، إلى جانب تطوير مهنة الصحافة، أن يصبح "أبا" لـ"أطفال" يرعاهم في ظروف ومستقبل أفضل من هذه الظروف التي عاشها، وفق والدته.
وتدعو "أبو حسين" كافة المؤسسات الدولية بحماية الشباب الفلسطيني الذي يخرج باتجاه الحدود، في مسيرات سلمية، لتفادي وقوع أي "شهيد جديد".
و"أبو حسين" هو ثاني صحفي فلسطيني يُستشهَد خلال تغطية مسيرات العودة في قطاع غزة، بعد الصحفي ياسر مرتجي، الذي قتل برصاص الجيش الإسرائيلي يوم 7 نيسان/ أبريل الجاري.
ويتجمهر فلسطينيون، بشكل يومي، عند 5 نقاط قرب الحدود بين غزة وإسرائيل، في إطار مسيرات "العودة" التي بدأت منذ 30 مارس/ آذار الماضي، ومن المقرر أن تبلغ ذروتها في ذكرى "النكبة" (15 مايو/ أيار المقبل).
ويطالب المتظاهرون بعودة الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم التي هجروا منها عام 1948.
ويعتدي الجيش الإسرائيلي على المتظاهرين السلميين قرب حدود غزة، ما أدى إلى استشهاد 42 فلسطينيا، فيما أصيب أكثر من 5 آلاف مواطن بجراح مختلفة.