Arif Yusuf
09 نوفمبر 2016•تحديث: 09 نوفمبر 2016
نينوى (العراق)/ جمال البدراني، عارف يوسف/ الأناضول
الموصل هي المدينة العراقية الوحيدة التي خلت بعد 10 يونيو/ حزيران 2014 من الحواجز الأسمنتية، وهي حواجز اعتمدتها الحكومات المتعاقبة بعد غزو البلاد عام 2003 كإحدى وسائل السيطرة على الأوضاع الأمنية في كافة المدن، وهو ما تسبب في معاناة كبيرة للسكان.
ومع سيطرة تنظيم "داعش" على الموصل، مركز محافظة نينوى (شمال) عام 2014، أزاح التنظيم هذه الحواجز الأسمنتية، لكن مع تصاعد القتال بين مسلحي "داعش" والقوات الحكومية، أعاد التنظيم الحواجز، لتعود معاناة السكان.
وفضلا عن مشهدها غير الحضاري، تتسبب الحواجز الأسمنتية في إغلاق الشوارع، وخلق ازدحامات مرورية خانقة؛ وتأخير المواطنين عن الذهاب إلى أعمالهم، وأحيانا عدم الوصول إلى المستشفيات في القوت المناسب في حالات الطوارئ، وهو ما يجعل المدن أشبه بسجون يكره الكثيرون العيش فيها.
"أبو مريم" (46 عاما)، يعمل منذ تسعينات القرن الماضي سائق سيارة أجرة، ويقول في اتصال مع وكالة الأناضول: "منذ سيطرته على الموصل، وعلى مدار عامين ونصف العام، لم يفعل تنظيم داعش شيئا إيجابيا، سوى رفع الحواجز الكونكريتية (الأسمنتية)، التي كانت تخنق المدينة، وتجعل السير في شوارعها كابوس غير محتمل".
وفي وجود هذه الحواجز، بحسب "أبو مريم"، فإن "مشوار (رحلة) الكيلومتر قد يستغرق أكثر من ساعة ونصف الساعة؛ فلكل منطقة منفذ واحد ومخرج واحد، ما يضطر مئات السيارات للوقوف في طوابير طويلة عند كل مدخل وخرج".
ويتابع المواطن الموصلي أن "داعش، ومع بداية شهر أكتوبر (تشرين أول) الماضي، أعاد الحواجز من خارج المدينة، وأغلق بها الشوارع، لا سيما الفرعية منها في الأحياء السكنية، ما أعاد المدينة إلى مربع المعاناة الأول".
وبوضع هذه الحواجز بشكل أفقي في الشوارع الرئيسية والطرقات المهمة بالموصل، يحاول مسلحو "داعش" إعاقة تقدم قوات الجيش والشرطة العراقية والمليشيات الموالية لها، ضمن عملية لتحرير المدينة مستمرة منذة 17 أكتوبر/ تشرين أول الماضي، تحت غطاء جوي من التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة.
مواطن موصلي آخر، تحدث للأناضول شريطة عدم نشر اسمه، يقول: "شهدت أما تمد يدها عبر فتحة في حاجز أسمنتي إلى ابنتها لتناولها طبقا به أرز ولحم، بعد أن قطع الحاجز منزل الام عن ابنتها في حي القادسية الثاني (شمال شرقي الموصل)".
"أم أحمد" تسكن حي النجار غربي الموصل، وقررت أن تزور ابنتها التي تسكن مع زوجها وعائلتها المكونة من ثلاثة أفراد في حي المجموعة الثقافية شمالي المدينة.
لكن السيدة، التي تعيش في عقدها الخامس، واجهت معاناة كبيرة ترويها لوكالة الأناضول قائلة: "أغلقوا بالحواجز أغلب الطرق المؤيدية إلى بيت ابنتي.. بعد سير بطئ بسيارة الأجرة، أبلغني سائقها بأنه يتوجب علي ترك السيارة وإكمال ما تبقى من المسافة سيرا على الأقدام".
وتتابع بقولها: "سرت بصعوبة كبيرة، فأنا مريضة ولا أستيطع السير مسافات طويلة؛ ما أضطرني إلى السير مسافة ثم الجلوس لأخذ قسط من الراحة، ومن ثم السير مجددا حتى وصلت إلى بيت ابنتي بأعجوبة".
وتبين "أم أحمد" أن "داعش قطع جميع الطرق الفرعية في حي المجموعة الثقافية بالحواجز والأسلاك الشائكة".
ولم يكتف التنظيم بذلك على أمل إعاقة تقدم القوات العراقية، فبحسب السيدة الموصلية "حفر التنظيم عميقا في الشارع الرئيسي بالحي، ثم وضع في الحفر أعمدة حديدية مسننة الرأس؛ لجعل سير العجلات العسكرية أمرا مستحيلا".
ويحكي شاهد عيان أن "عائلة حاولت النزوح من جحيم الموصل.. وكي تختصر الطريق، عبر خمسة أطفال من شق في الحاجز، ثم عبرت الأم مع رضيعها بصعوبة بالغة، أما الأب، ولطبيعة جسده، فحاول مرارا دون جدوى حتى انشكف أمر العالئة في النهاية لتنظيم داعش".
وضمن النازحين من الموصل جراء المعارك، خرج الأستاذ في جامعة المدينة، الدكتور رعد سواس العباسي، حيث يسكن حاليا في أربيل بإقليم شمال العراق.
وعن عودة الحواجز إلى مدينته، يقول العباسي في اتصال هاتفي مع الأناضول، إن "الموصل هي آخر معاقل داعش؛ لذا يحاول الحفاظ عليها بشتى الوسائل.. لكن الحواجز الأسمنتية لن تفلح أمام استعدادات القوات العراقية، وإن ألحقت بها أضرارا، وتسببت في إبطائها قليلا".
ومع احتدام المعارك بين الطرفين، لا سيما في الأحياء الشرقية من الموصل، يتابع العباسي، فإن "الكثير من العوائل نزحت من هذه المناطق، إما نحو مركز المدينة أو إلى خارجها باتجاه مخيم الخازر شرق الموصل، آملا في النجاة من آلة قتل لا تفرق بين صغير وكبير".
وبنبرات صوت تحمل حسرة وآلما، يوضح المواطن الموصلي النازح أن "الحواجز الأسمنتية تفرق أباء وأمهات عن أبنائهم، وأصدقاء عن بعضهم البعض.. الجميع ينتظر لم الشمل، لكن ربما لا يكون في المدى القريب بحسب المعطيات على الأرض".