تونس/ عادل الثابتي/ الأناضول
** محمد بن أحمد علية، صاحب ورشة فخار تقليدي بمدينة نابل:
- تعلمت هذه المهنة من والدي، ووالدي تعلمها من جدي، وجدي تعلمها من أبيه، قصتنا متواصلة هكذا
- نشاط العائلة في صناعة الفخار يمتد لنحو 170 عاما
- نرسل منتجاتنا إلى إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، والعمل اليدوي يضفي على المنتجات طابعا فريدا
** الشاب آدم بن محمد علية:
- بدأت صناعة الفخار منذ طفولتي، نجهِّز المنتجات أولا بطبقة من مادة بيضاء، ثم نزينها بألوان مختلفة
- إعداد بعض القطع وزخرفتها يستغرق نحو أسبوع، والإنتاج بالطرق التقليدية يحتاج إلى الدقة والصبر
على دولاب الفخار في ورشة عائلة علية بمدينة نابل شمال شرقي تونس، يحول الحرفي حبيب بن عثمان كتلة من الطين بين يديه إلى إناء، مواصلا حرفة تتوارثها العائلة منذ نحو 170 عاما.
فعلى مدى أجيال، انتقلت صناعة الفخار داخل عائلة علية حتى وصلت إلى محمد بن أحمد علية، ومنه إلى ابنيه آدم وأنس اللذين يشاركان اليوم في نشاط الأسرة إلى جانب دراستهما.
وفي المدينة العتيقة بنابل، تعرض العائلة منتجاتها داخل مبنى يقول علية إن عمره يتجاوز 450 عاما، وكان في السابق ورشة لصناعة الفخار قبل أن يتحول إلى نقطة للبيع.
أما الإنتاج، فيجري اليوم في ورشة قرب المنطقة الصناعية، حيث تمر القطع بمراحل تشكيل الطين وزخرفته وحرقه، بالاعتماد على العمل اليدوي وأساليب توارثتها العائلة.
وقال علية للأناضول: "تعلمت هذه المهنة من والدي، ووالدي تعلمها من جدي، وجدي تعلمها من أبيه، لدينا قصة متواصلة على هذا النحو".
وأضاف أن نشاط عائلته في صناعة الفخار يمتد لنحو 170 عاما، وأنها تحافظ على أساليب الإنتاج التقليدية بالتوازي مع تنويع منتجاتها.

وترتبط صناعة الفخار بمدينة نابل بتاريخ أقدم من نشاط عائلة علية، إذ يصفها الموقع الرسمي للولاية بأنها إحدى عواصم الفخار في تونس إلى جانب جزيرة جربة ومدينة المكنين.
وبحسب المصدر ذاته، تعود صناعة الفخار في المنطقة إلى العصور القديمة، حين كانت تنتج الجرار المستخدمة في تخزين الزيت والقلال المخصصة لجلب المياه.
وشهدت الصناعة ازدهارا نهاية القرن السادس عشر مع قدوم حرفيين من جزيرة جربة جنوب شرقي تونس، قبل أن تتطور بتأثيرات أندلسية وأخرى لحرفيين قدموا من العاصمة تونس.
وفي ورشة علية، تنتج العائلة الأطباق والأوعية والأدوات المستخدمة في المطبخ، إلى جانب المزهريات وأحواض النباتات وقطع الزينة.
وقال علية إن فخار نابل معروف بزخارفه المميزة، ولا سيما اللونين الأزرق والأبيض، فيما تعتمد بعض منتجات الورشة تقنيات مختلفة للنقش البارز.

وتصل منتجات العائلة المصنوعة يدويا إلى أسواق خارج تونس، ضمن نشاط حافظت الأسرة على تطويره إلى جانب طرق الإنتاج التقليدية.
وقال علية: "نرسل منتجاتنا إلى إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة، والعمل اليدوي يضفي على المنتجات طابعا فريدا".
وأضاف أن المستهلكين في دول مثل إيطاليا وألمانيا يفضلون المنتجات المصنوعة يدويا بالطرق التقليدية على المنتجات المصنوعة بالآلات.
وتجاوزت عائدات صادرات قطاع الصناعات التقليدية في تونس 160 مليون دينار تونسي (نحو 55 مليون دولار) خلال 2024، وفق بيانات للديوان الوطني للصناعات التقليدية نقلتها وكالة الأنباء التونسية الرسمية.
وبلغت صادرات القطاع 81 مليون دينار (نحو 27.8 مليون دولار) خلال النصف الأول من 2025، بحسب بيانات الديوان.

وانتقلت صناعة الفخار في عائلة علية إلى جيل جديد، إذ يشارك آدم وأنس في نشاط الأسرة إلى جانب دراستهما، فيما يعمل في الورشة ونقطة البيع 9 أشخاص، بينهم 3 من أفراد العائلة.
ويواصل آدم بن محمد علية، البالغ من العمر 24 عاما، دراسته الجامعية في اختصاص الإعلام بالتزامن مع عمله في الورشة، ولا سيما في طلاء المنتجات وزخرفتها.
وقال آدم للأناضول: "بدأت صناعة الفخار منذ طفولتي، نجهز المنتجات أولا بطبقة من مادة بيضاء، ثم نزينها بألوان مختلفة".

وأضاف أن إعداد بعض القطع وزخرفتها يستغرق نحو أسبوع، وأن الإنتاج بالطرق التقليدية يحتاج إلى قدر كبير من الدقة والصبر.
وبعد الطلاء والزخرفة، تنتقل المنتجات إلى الفرن، حيث تحرق عند درجة حرارة تبلغ نحو 1024 درجة مئوية قبل أن تصبح جاهزة للاستخدام أو البيع.
أما شقيقه أنس، البالغ من العمر 16 عاما، فيشارك في نشاط العائلة بعد دوامه المدرسي وخلال العطل، ويعمل بصورة أكبر في نقطة البيع التاريخية، كما يشارك أحيانا في عمليات الإنتاج داخل الورشة.

وإلى جانب أفراد العائلة، يعمل الحرفي حبيب بن عثمان في ورشة علية، حاملا خبرة تمتد لنحو 45 عاما في صناعة الفخار.
وقال بن عثمان للأناضول إنه بدأ العمل في سن 16 عاما بمساعدة الحرفيين في نقل المواد وتجفيف المنتجات تحت أشعة الشمس، قبل أن يتعلم تشكيل الطين ومختلف مراحل الصناعة حتى أصبحت الحرفة مصدر رزق له ولأسرته.
وقال: "كبرت بهذه الحرفة، وربيت أبنائي بهذه الحرفة، وعلمتهم، ووفرت من خلالها لقمة عيشنا".
وأضاف أنه علّم خلال السنوات الماضية عددا من الشباب صناعة الفخار، وأن بعضهم يعمل اليوم في مشروعات خاصة به.
ويُنقل الطين المستخدم في الورشة من الجبال المحيطة بطبرقة في ولاية جندوبة شمال غربي تونس إلى نابل، في رحلة تمتد لنحو 243 كيلومترا.
ويصل الطين إلى الورشة على شكل لفائف يبلغ وزن الواحدة منها نحو 12 كيلوغراما، ثم يمر عبر آلة لعجنه وفصل الأجزاء غير المرغوب فيها، قبل تليينه بالماء حتى يصل إلى القوام المناسب للتشكيل.
بعد ذلك، يجلس الحرفي أمام دولاب الفخار ويمنح الطين شكله بيديه وفقا لنوع القطعة المراد إنتاجها، قبل انتقالها إلى مراحل الزخرفة والطلاء والحرق.

ويواصل بن عثمان نقل خبرته إلى حرفيين أصغر سنا، أملا في استمرار المهنة التي أمضى معظم حياته فيها.
وقال: "أريد أن يتعلم الشباب هذه الحرفة وأن يعتمدوا على أنفسهم، لا أريد أن تندثر حرفتنا التقليدية".
ويشير الموقع الرسمي لولاية نابل إلى أن الفخار الأصيل في المدينة واجه في مرحلة سابقة خطر الاندثار، قبل جهود لإعادة تنشيط الحرفة ودعم العاملين فيها.

وفي ورشة عائلة علية، يستمر انتقال الخبرة من جيل إلى آخر؛ محمد يمارس ما تعلمه من أبيه، فيما يدخل ابناه آدم وأنس إلى الحرفة التي مارسها أجدادهما.
وبعد نحو 170 عاما من انتقال صناعة الفخار بين أجيال العائلة، تواصل قطع الطين دورانها على دولاب الفخار في ورشة الأسرة بنابل.
news_share_descriptionsubscription_contact
