Hussein Mahmoud Ragab Elkabany
08 نوفمبر 2016•تحديث: 08 نوفمبر 2016
القاهرة / حسين محمود - سيد فتحي / الأناضول
"محكمة".. كلمة اعتيادية يطلقها حاجب الدائرة القضائية، عند بدء محاكمة متهمين بمصر، غير أنها بدت كلمة السر لانطلاق لغة الإشارات بين سجناء معارضين، وذويهم خلف الأقفاص الزجاجية العازلة للصوت بقاعات المحاكم.
الزيارات متباعدة، والقاضي وحده هو المتحكم بالصوت من داخل القفص الزجاجي سماحًا أو حجبًا، فيمكنك رؤية الأخ أو الأب نعم ولكن الصوت ذلك العامل الرئيسي في التواصل البشري غائب والحاجة أم اختراع لغة الإشارة.
منذ أشهر قليلة، ظهرت تلك الإشارات المغلفة بـ"حكم العاطفة"، وفق خبيرين في علمي الجسد والنفس، والتي ارتدت أثواباً عديدة بين زوجة تلوح لزوجها المحبوس بتشابك اليدين لرسم شارة القلب أو رمي قبلة، عبر ضم كف اليد وتقريبها من الفم وإعادتها له أو العكس (الحب).
وأخرى بقبضة اليد (التحمل والتماسك)، أو التلويح باليدين (الوداع/ الفرحة)، أو ضم اليدين للصدر (الاشتياق)، أو التنبيه بخاتم (الخطبة أو الزواج) في إصبع البنصر، وفق مشاهدات مراسل الأناضول.
ما أن تبدأ الجلسات القضائية، لاسيما في معهد أمناء الشرطة، جنوبي القاهرة، وخصوصا التي يترأسها القاضي المصري، حسن فريد، الذي يسمح بدخول الأسر في قاعات محكمة جنايات القاهرة، إلا وتبدأ تلك الإشارات بين متهمين يقفون خلف أقفاص زجاجية، وصغار صعدوا سريعاً على مدرجات القاعة، ونظرات زوجة تبحث عن زوجها أو أم عن ولدها.
ساعد على رصد تلك الإشارات، عدسات المصورين، الذين يدخلون جلسات تلك المحاكم، والتي كانت بمثابة لافتة جديدة مؤثرة لا يمكن أن تتخلى عنها عدسة مصور، وفق أحد مصوري تلك الجلسات التى تحفظ علي ذكر اسمه.
مسترجعاً تاريخ تلك الإشارات، أضاف المصور ذاته، في حديث للأناضول، كانت أقفاص المتهمين، منذ 3 سنوات بلا حائل زجاجي، غير أنه مع تركيبه منذ عامين عقب إهانة أحد القضاة، بدأت الإشارات تظهر بشكل بسيط وغير لافت بين من داخل القفص ومحاميه ونادراً مع أسرته.
"ثم الأشهر الأخيرة بدأت الأسر تدخل لقاعة المحكمة بأعداد كبيرة وصارت لكثرة الإشارة قيمة ملفتة لدى المصور وكأنها تحكي بالإشارة قصة مشاعر حقيقية"، وفق المصور.
وتابع: "من بين إشارات اليدين التي التقطناها إشارة بقبلات وأحضان ووداع، وكل شيء يخص المشاعر، بين المسجون، الذي يقف خلف قفص زجاجي، وأهله وأطفاله الذين سمحت المحكمة لهم".
وأوضح أنه "بات من الطبيعي مع دخول الأهالي لقاعة المحكمة الفترة الأخيرة أن تسمع كلمة شاور يلا ( هيا أشِر) بين الأسر وزوجات وأطفال المحبوسين".
في إحدى جلسات محاكمة اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، يدخل القفص الزجاجي (الذي يمنع خروج الصوت خارجه) ذلك الشاب المعارض، "أحمد طه وهدان"، 28 عاما، الذي تم توقيفه علي ذمة القضية منذ أشهر، ويبحث بعينيه عن زوجته وأسرته اللذين لم يراهما منذ فترة عقب القبض عليه، ويستمر يلوح بيده لعلهما يجداه.
رنا جريش (24 عاما)، زوجة أحمد، تروى تلك المواقف الصعبة السابقة، وكيف تقنتص بهذه الإشارات فور ظهور زوجها في محبسه؛ لتعبر عن ذلك الاشتياق لرؤية نجلته ليلي التي لم تكمل عامها الأول بعد حيث ولدت في غياب والدها.
وتضيف جريش، بحزن،: "أغلب الوقت الزيارات ممنوعة، ولم نجد غير الإشارة طريقة للتعبير والتواصل والاطمئنان في قاعة المحكمة".
وعن أصعب المواقف، تنقل رنا أزمة زوجها أحمد وهو أحد الذين اشتهروا بإشارة رسم اليدين للقلب، إثر غيابها عنه للولادة في الجلسة الثانية للمحاكمة واندفاعه للسؤال عنها باستخدام الإشارة، حسب أسرته.
وتمضي قائلة: "كان ينتظر مولودته الأولى ليلي ولم يرني، وظل يلّوح بيده من خلف القفص الزجاجي للسؤال عني، فتواصلت أسرة أحمد معه بالإشارة لتطمئنه بأنه ينتظر مولوداً".
"جئت في الجلسات التالية، ومعي ليلي ابنتنا، وكانت الفرحة أشد، وكانت الإشارة هي أفضل السبل للتعبير عن أشواقنا وأفراحنا لنا ولوالدته وللأسرة، وكثير مثلنا من أسر المحبوسين يفعل ذلك، لأنه لم يجد حلاً آخر في ظل تباعد فترات الزيارة في مقر الحبس أو إلغائها"، حسب جريش.
الخبير المصري، في لغة الجسد، محمد حسن، يقول للأناضول،: "هذه إشارات إرادية يفعلها الشخص تجاه آخر وهو يقصدها".
إشارات تلك المحاكم، وفق خبير لغة الجسد،: "يحركها عاطفة الشخص وتدلّ على أن هناك كبتًا للمشاعر يريد أن يخرج في تلك الإشارة أو غيرها".
"رسم القلب باليدين، ورمي القبلة داخل المحاكم"، وفق حسن، "تعبير عن اشتياق وحاجة كل طرف للآخر"، لافتاً إلى أن قبضة اليد "علامة على القوة والتحمل".
هذه الإشارات "تعني التكاتف والتماسك"، وفق حديث سميحة نصر أستاذ علم النفس ورئيس شعبة بحوث الجريمة والسياسية الجنائية، بالمركز القومى للبحوث الجنائية والاجتماعية (حكومي) للأناضول.
وحول الشق القانوني للإشارات وتواجد الأهالي بقاعات المحاكم، يقول أسامة الحلو، عضو هيئة الدفاع عن قيادات جماعة الإخوان، للأناضول، إنه المفترض أن حضور الأهالي لجلسات المحاكم شيء قانوني، وعكس ذلك هو المخالف لأعراف المحاكمات وافتقاد لشرط العلنية".
ويقبع خلف السجون بمصر، منذ الإطاحة بمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، في 3 يوليو/ تموز 2013، آلاف من المعارضين، وفق بيانات معارضة وحقوقيين، في قضايا تراها الحكومة جنائية وتراها المعارضة سياسية.