تونس / يسرى ونّاس / الأناضول
على أعتاب عيد الفطر، الذي قد يحل الثلاثاء أو الأربعاء (حسب استطلاع الهلال)، تزداد وتيرة الاستعداد لتلك المناسبة في تونس، وسط رغبة المواطنين في رسم الابتسامة على محيّا أطفالهم وعائلاتهم.
هذه الرغبة يواجهها وضع اقتصادي صعب تمر به البلاد، ترافق مع تراجع القدرة الشرائية للعملة الوطنية، لكن الأمر لم يمنع مواطنون تونسيون، وفق جولة أجرتها مراسلة "الأناضول" في أسواق العاصمة، من السعي لاقتناء مستلزمات العيد مع الاقتصار على الضروري منها، أو الشراء من السوق الموازي (الباعة الجائلين)؛ حيث تكون السلع فيها أقل سعرا من تلك التي تُباع في المحلات المرخّصة.
ومنذ ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011، (أطاحت بنظام حكم زين العابدين بن علي)، وما تلاها من أزمات سياسية، فقد الدينار التونسي نحو 50% من قيمته مقابل الدولار؛ ليباع الدولار بسعر 2.19 دينار تونسي، بعد أن كان بسعر 1.3 دينار تقريبا عام 2011.
المواطن شكري الغربي، التقته الأناضول أثناء تجوله في أسواق العاصمة لشراء مستلزمات العيد، يشتكي من صعوبة الأوضاع المادية التي يواجهها المواطنون، قائلا "التونسي أصبح غير قادر على تلبية متطلبات أفراد عائلته، خاصة في مثل هذه المناسبات؛ فأسعار الملابس باهظة".
ويلفت إلى أنه، في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة، وغلاء الأسعار مع تراجع قيمة الدينار، سيشتري قطعة واحدة من ملابس العيد لأطفاله بدلا من قطعتين لكل واحد منهم، كما اعتاد في السابق.
وعن رأيه في السلع "الموازية" يقول الغربي، "التونسي أصبح كذلك مضطرا للإقبال على هذه الأسواق نتيجة غلاء الأسعار".
بدورها تشتكي المتسوقة، عفاف الحبيبي، من غلاء أسعار مستلزمات العيد، وتقول للأناضول "اليوم يستعصي علينا شراء كل شيء (..) صرنا نقتصر على شراء كل ما هو ضروري دون النظر إلى أشياء أخرى".
وتضيف أنها قد تلجأ لشراء بعض السلع من الأسواق الموازية، لكنها تؤكد على ضرورة "الاحتياط وعدم اقتناء كل ما يثير الشّك لدينا" في هذه الأسواق.
ومع استعدادات الأسر التونسية لشراء مستلزمات العيد، تشهد أسواق العاصمة حركة ونشاط على خلاف الركود الذي يضربها في الأيام العادية؛ فهناك محلات عجّت بالمتسوقين، وشوارع كادت تغلق من شدّة الازدحام.
لكن الحركة والنشاط لا يعنيان بالضرورة زيادة أرباح التجار؛ حيث يلجأ كثير من التونسيين في ظل غلاء الأسعار إلى الشراء من الأسواق الموازية، بدلا من المحلات المرخص لها بالعمل يوميا.
قبالة محلات الملابس والأحذية، اتخذت مجموعات من الباعة الجائلين أماكن لعرض منتجاتهم وسلعهم من ملابس وأحذية وألعاب للأطفال؛ الأمر الذي يثير استياء الكثير من أصحاب المحلات؛ إذ اعتبر بعضهم في أحاديث منفصلة مع "الأناضول" أنّ هذه التجارة الموازية من شأنها أن تؤثر سلبا على محلاتهم التّي "كادت تُهجر شيئا فشيئا".
ويحذر هؤلاء التجار الزبائن من الشراء من الأسواق الموازية؛ "فكثير من سلعها غير مطابقة للمواصفات، وغير صحيّة؛ وهو ما يفسر بيعها بأبخس الأثمان على قارعة الطرق"، بحسب التجار.
تاجر الملابس، فيصل مشاطرية، أحد المتضررين من ظاهرة الأسواق الموازية، يقول للأناضول إن "محلات كثيرة تعاني من الفوضى التي تصاحب عمليات بيع السلع المهربة".
ويضيف "لا نحقق في اليوم سوى مبيعات بقيمة 150 أو 200 دينار (75 أو 100 دولار)، وهو رقم ضئيل جدا مقارنة بالسنوات الماضية. الوضع متدني جدّا، وقد يؤدّي بمحلنا مثل محلات أخرى إلى الإفلاس".
من جانبه يقول تاجر الأحذية وحيد باليامنة، "نحن كتجار نسعى في كل موسم ومناسبة إلى التخفيض في الأسعار لجلب الحرفاء (الزبائن)".
ويضيف للأناضول "نراعي في الآن ذاته المواطن الذّي يقبل على المنتوجات المعروضة في الشوارع والطرق؛ فهو يفكر وفق وضعه المادي، وأحيانا لا يعنيه الفرق بين ما هو أصلي وما هو تقليد، وكل ذلك ناتج عن الظروف الاقتصادية الصعبة التّي تعيشها البلاد".
وعن ظاهرة السلع الموازية، يقول نائب رئيس "منظمة الدّفاع عن المستهلك" (تونسية غير حكومية)، أكرم الباروني، للأناضول "أسواقنا لا تزال تشكو من انفلات كبير باعتبار أن جزءا كبيرا من البضائع الموجودة فيها اليوم هي غير مراقبة ومهربّة؛ فمسألة التهريب إلى اليوم لم يقع معالجتها وحتى الرقابة تبقى ضعيفة".
وحسب الباروني، فإن "أكثر من 50% من التجارة الموجودة في الأسواق التونسية اليوم تنضوي ضمن ما يعرف بالتجارة الموازية؛ فأغلبها مواد مهربة وغير مراقبة، وهو أمر خطير، ويدعو إلى القلق، ودورنا كمنظمة ومجتمع مدني هو إحاطة المستهلك التونسي وتوعيته وتنبيهه إلى خطورة بعض البضائع".
وحاولت السلطات التّونسية تطويق ظاهرة التهريب التي تؤدي بدورها إلى "أسواق التجارة الموازية" عبر إجراءات من بينها إحداث منطقتين للتجارة الحّرة؛ الأولى على الحدود الجنوبية مع ليبيا، والأخرى غربا مع الجزائر، من أجل المساهمة في تنظيم قطاع التجارة في البلاد، والحدّ من التهريب والتجارة الموازية؛ وما يترتب عنها من مشاكل اقتصادية، فضلا عن خلق سوق شغل جديدة وتوفير مواطن عمل للشباب التونسي.
ويستدرك الباروني قائلا "المنظمة لا تستطيع منع هذه الأسواق أو غلقها، ولا منع هؤلاء المواطنين من الشراء منها، لكنها دائما ما تنبه إلى ضرورة التحقق من سلامة وصحة هذه المنتوجات قبل شرائها".
ويضيف "المواطن التونسي أصبح مضطرا لأن يقتني مما يعرض على الطريق نظرا لتراجع أسعارها مقارنة بالمواد التي تعرض بالمحلات".
ويتمثل دور "منظمة الدّفاع عن المستهلك"، التي تأسست عام 1989، في الرقابة على السلع والمنتخابات، والتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية، وتوعية المواطنين بسبل الغش التجاري.
يشار أيضا أن المؤشرات الاقتصادية لهذه السنة أنبأت بوضع متدهور، وشملت هذه المؤشرات تراجع قيمة الدينار التونسي مقابل الدولار، وارتفاع معدلات البطالة التي بلغت في الربع الأول من العام الجاري 15.4%، وتراجع نسبة النمو الاقتصادي إلى 1 % في الربع الأول.
واتخذ البنك المركزي التونسي جملة من التدابير للحد من الضغوط التي تواجهها العملة المحلية، أهمها ترشيد المصاريف والتحويلات بالعملة الأجنبية، والسعي لاستقطاب موارد دولارية بحوزة المواطنين بالخارج.
وبلغ عدد سكان تونس 10 ملايين و982 ألفا و754 نسمة في العام 2014، وفق المعهد الوطني للإحصاء (حكومي).
news_share_descriptionsubscription_contact
