"قصور مصغرة".. للطيور نصيب من تراث العمارة العثمانية (تقرير)
على جدران المباني التاريخية والمساجد شُيدت بيوت من أجل إيواء الطيور خلال العهد العثماني في ولاية بولو غربي تركيا، وما زالت تحافظ على وجودها ووظيفتها حتى يومنا هذا.
Zafer Göder, Hişam Sabanlıoğlu
13 مايو 2026•تحديث: 13 مايو 2026
Türkiye, Bolu
بولو/ ظفر كودر/ الأناضول
أستاذ التاريخ الحديث في جامعة بولو أبانت عزت بايسال، محمد سومة:
بيوت الطيور تعكس مفهوم الرحمة الذي كان حاضرًا بقوة في الثقافة العثمانية
البيوت كانت تُشيّد في الأماكن المعرضة لأشعة الشمس وتحمي الطيور من الرياح والأمطار
فكرة إنشاء بيوت للطيور ارتبطت بعوامل ثقافية ودينية معًا
على جدران المباني التاريخية والمساجد شُيدت بيوت من أجل إيواء الطيور خلال العهد العثماني في ولاية بولو غربي تركيا، وما زالت تحافظ على وجودها ووظيفتها حتى يومنا هذا.
وبعد مرور قرون، تعتبر تلك البيوت أحد أبرز الرموز التي تعكس مفهوم الرفق بالحيوان في الثقافة العثمانية ودمجه في تفاصيل العمارة اليومية.
وتُعرف هذه البيوت الصغيرة باسم "قصور الطيور"، وقد بُنيت لتأمين ملاجئ تحتمي فيها الطيور من العوامل الجوية، قبل أن تتحول مع الزمن إلى جزء من الذاكرة المعمارية والثقافية للمدن العثمانية.
وفي بولو، ما تزال هذه البيوت قائمة في عدد من المباني التاريخية، أبرزها جامع السراجخانة، إضافة إلى خاني "يوقاري طاشخان"، و"أشاغي طاشخان"، ومساجد "قرمانلي"، و"أقطاش"، و"صومونجو"، حيث تواصل أداء وظيفتها الأصلية كملاجئ للطيور حتى اليوم.
صورة : Zafer Göder/AA
** رمز للرحمة
وقال محمد سومة، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة "بولو أبانت عزت بايسال"، إن بيوت الطيور التي صمدت من العهد العثماني إلى اليوم لا تمثل مجرد عنصر معماري، بل تعكس أيضًا مفهوم الرحمة والرفق بالحيوان، الذي كان حاضرًا بقوة في الثقافة العثمانية.
وأوضح سومة، في حديث مع الأناضول، أن هذه البيوت منتشرة في مناطق مختلفة من الجغرافيا العثمانية، وأن ولاية بولو تضم نماذج مهمة منها، مشيرًا إلى أن اهتمامه بهذا الموضوع بدأ منذ سنوات بعد قراءته خبرًا صحفيًا عنها.
وأضاف أن بيوت الطيور كانت تُبنى غالبًا على جدران المنشآت التاريخية، وإن كانت هناك أمثلة عليها أيضًا ضمن العمارة المدنية.
وأوضح أن هذه البيوت كانت تُشيّد في الأماكن التي تتعرض لأشعة الشمس وتحمي الطيور من الرياح والأمطار.
وأشار إلى أن البنّائين كانوا يستخدمون المواد نفسها المستعملة في المبنى الأصلي عند إنشاء بيوت الطيور، ما جعلها تبدو وكأنها جزء طبيعي من التصميم المعماري.
وأشار إلى أن بعض النماذج الموجودة في إسطنبول تتميز بزخارف وتفاصيل تجعلها أشبه بـ"قصور مصغّرة".
صورة : Zafer Göder/AA
**الجذور الثقافية والدينية
وأوضح سومة أن فكرة إنشاء بيوت للطيور ارتبطت بعوامل ثقافية ودينية معًا، مبينًا أن الأتراك قبل الإسلام كانوا مجتمعات بدوية وشبه رحّل، وكان للحيوانات حضور مهم في حياتهم اليومية.
وأضاف أن الطيور احتلت مكانة خاصة في الثقافة التركية القديمة، وتحديدا الطيور الجارحة مثل النسر والصقر والباز، التي تحولت لدى قبائل الأوغوز (التركمان) إلى رموز تعبر عن القوة والانتماء.
وأشار إلى أن الرفق بالحيوان يُعد من القيم الأخلاقية الأساسية في الإسلام، وأن المسلمين تأثروا في ذلك بسيرة النبي محمد، وتعامله مع الحيوانات، ما جعل العناية بها سلوكًا أخلاقيًا ودينيًا.
وقال: "الدول التركية الإسلامية جميعها اهتمت بالحيوان وأظهرت هذا الجانب من الرحمة، لكن الدولة العثمانية أوصلت هذه الثقافة إلى ذروتها، سواء عبر مؤسسات أو من خلال العمارة".
وأضاف أن بيوت الطيور تُعد من أوضح الأمثلة على كيفية انعكاس هذا الفهم الإنساني داخل الحياة اليومية والفضاء العمراني في العهد العثماني.
صورة : Zafer Göder/AA
** حماية مطلوبة
وشدد سومة على ضرورة الحفاظ على بيوت الطيور وعدم إغلاقها أو تشويهها خلال عمليات الترميم، مؤكدًا أن أي أعمال صيانة يجب أن تُنفذ بما يحافظ على شكلها الأصلي وعلى أيدي مختصين.
وأوضح أن هذه البيوت لم تكن مجرد أماكن لإيواء الطيور، بل مثلت أيضًا انعكاسًا مصغرًا لفهم العثمانيين للجمال والانسجام المعماري.
ولفت إلى أهمية تعريف الأطفال بهذه المعالم التاريخية لترسيخ ثقافة الرفق بالحيوان، داعيًا المعلمين والمرشدين السياحيين إلى تضمين "بيوت الطيور" ضمن الجولات التعليمية والثقافية في المدن التاريخية.
وأشار في ختام حديثه إلى أن فكرة بيوت الطيور يمكن أن تُبعث مجددًا في الوقت الحاضر، بالمنازل الخاصة والمستقلة، باعتبارها تقليدًا إنسانيًا وجماليًا يعكس علاقة أكثر توازنًا بين الإنسان والطبيعة.
"قصور مصغرة".. للطيور نصيب من تراث العمارة العثمانية