تونس/ آمنة اليفرني/ الأناضول
وزير الثقافة الأسبق مهدي مبروك لـ "الأناضول":قال وزير الثقافة الأسبق ورئيس ومدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس (غير حكومي) مهدي مبروك إن تونس دخلت منذ 25 يوليو/ تموز الماضي في أزمة معقدة ومركبة.
وأضاف مبروك، في مقابلة مع "الأناضول"، أن هذه الأزمة استفحلت وتسببت بشرخ مجتمعي عمودي في الدولة وتنسف تجربة الانتقال الديمقراطي، على عِلاّته.
واعتبر أن تونس خرجت فعليا، منذ إقرار رئيس الجمهورية قيس سعيد الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/ تموز الماضي، من نادي الدول الديمقراطية.
وأشار إلى "تراجع منسوب الحريات في تونس، بعد ارتفاع عدد الاعتقالات، ومحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وتعليق العمل بالدستور من جانب الرئيس، والتحرّش بالمجلس الأعلى للقضاء، وتعطيل عدد من الهيئات الوطنية على رأسها هيئة مكافحة الفساد، والتضييق على التظاهرات".
وواصل مبروك قائلا: "يبدو أن سعيّد ماض في التعسف أيضا على السردية (الوطنية الثورية في تونس) بتغيير تاريخ الاحتفال بها، ومزيد نثر الملح على الجرح وتعميق الشرخ ".
وأعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد، الخميس، تغيير اليوم المقرر للاحتفال بذكرى الثورة التونسية، ليصبح في 17 ديسمبر/ كانون الأول، بدلا من 14 من يناير/ كانون الثاني.
على الصعيد الاقتصادي، أوضح المبروك أن انكماش الاستثمار وتفاقم عجز الموازنة سيعمّقان المشكلات الاقتصادية التي تعانيها تونس، ومن المتوقع أن ينعكس ذلك على عمل المؤسسات والمرافق العمومية.
ورجّح، وهو أيضاً أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية الحكومية، أن تشهد تونس هذا العام "شتاء ساخنا"، إذ من المنتظر أن تنطلق طقوس العبور المعتادة في الأسابيع المقبلة بحركات احتجاجية اجتماعية، بعد تردي الأوضاع الاجتماعية.
في السياق ذاته، قال رئيس مركز الأبحاث ودراسة السياسات إن رئيس الجمهورية يبخس من خلال "عقيدته الشعبوية" كل ما له علاقة بالديمقراطية التمثيلية والأجسام الوسيطة، كالأحزاب والنقابات والجمعيات، مستغلا ضعف أدائها (ووهنها الحالي)، بدلا من الذهاب نحو عقلنة المشهد الحزبي وتنقيح المدوّنة التشريعية (القانون).
واعتبر مبروك أنه من غير الممكن الحديث عن ديمقراطية من دون وجود أحزاب حقيقية وفاعلة، موضحا أن الأحزاب ستظل موجودة إلا إذا اتجهنا نحو منظومة شعبوية شمولية تقوم على أحادية الزعيم الملهم.
وحول إقحام المؤسسة العسكرية في التجاذبات السياسية، قال مبروك: "ربما سنحتاج إلى سنوات لاكتشاف حقيقة الأمر، لكن كل المؤشرات تبيّن دفع وإقحام المؤسسة العسكرية للتدخل بشكل مباشر في الشأن السياسي، ما كان للانقلاب أن يتمّ من دون موافقة منها".
وأردف: " نحن لسنا أمام فوضى أو انقلاب عسكري واضح، ولكن ما كان لرئيس الجمهورية أن يذهب إلى ما ذهب إليه لولا وجود ترتيب ما مع المؤسسة العسكرية".
وأوضح أن "رئيس الجمهورية عمد في مناسبات عدة للإشارة إلى المسائل السياسية في لقاءات بالثكنات العسكرية، في سابقة لم يأتها من قبله أي من رؤساء تونس من الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة إلى الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي".
ودعا مبروك، في هذا الإطار، المؤسسة العسكرية إلى النأي بنفسها عن التجاذبات السياسية، والالتزام بما ورد في الدستور من ضمان لأسس الجمهورية.
واستبعد مبروك تراجع سعيّد عمّا أقرّه من إجراءات حتى اليوم، ما لم تتغير الوقائع على الأرض، "بل من المتوقع أن يذهب رئيس الجمهورية إلى مزيد من التصلب"، وفق تعبيره.
وقال إنه "من خلال سلوك وخطاب رئيس الجمهورية، يمكن الجزم أنه لا يتحاور مع من يخالفه الرأي، وبالتالي من المستبعد أن يذهب أو يدعو إلى حوار وطني، على اعتبار أن المحاورة تقتضي حدا أدنى من الندية والاختلاف، في حين يصادر سعيّد حق الاختلاف ويعتبر أن شعبيته ترتفع به إلى مرتبة الفردانية والمخلّص الأوحد (للبلاد)".
ولفت إلى أن "الرئيس يعيد نسخ الاستشارة الوطنية التي نظمها بن علي في 2009 بشكل جديد، معوّلا على الشباب ككتلة ديموغرافية مناصرة له، ولا أعتقد أنها ستستمر في مناصرته بعد فشله في التسويق الأخلاقي للحوار، بإلغائه القانون رقم 38 لتشغيل من طالت بطالتهم أكثر من 10 سنوات".
وحول مشروع قيس سعيّد، قال مبروك إنّ "الرئيس لم يفصح عن مشروعه بعد، لكن من خلال ما استخلصناه من بعض الملامح، يمكن القول إنه مشروع هلامي يبخس الديمقراطية التمثيلية والأجسام الوسيطة وحتى النقابات".
ومضى مبروك متابعا: "الرئيس يؤمن بأن الله اجتباه لتخليص الشعب التونسي، ولا أعتقد أن تركيبة الشعب والمجتمع التونسي وحتى الدولة يمكن أن تحتمل مثل هذا المشروع الهلامي. لا يمكن بجرة قلم إلغاء ما تراكم من تجارب سياسية ونقابية طوال قرن من الزمن، ولن تقبل النخبة التونسية الوطنية بذلك".
وفسّر الأمر بالقول: "انتهت الشعبويات في القرن 21، على الرغم من انتعاشها من حين إلى آخر، كما حدث في أمريكا وفرنسا بعد فوز ترامب وماكرون، علينا أن نفرّق بين نسخ متعددة من الشعبوية، تونس بصدد مواجهة شعبوية شمولية تسلطية تنسف المعطى الديمقراطي".
في السياق ذاته، تحدث مبروك عن المشاريع التي تمّ الانطلاق في تركيزها بهدف إصلاح القضاء وضمان استقلاليته طوال السنوات الماضية، معتبرا أن يحصل من "شيطنة" للقضاء يتم بهدف السيطرة عليه وتدجينه.
وتوقع مبروك ردا خلال قادم الأيام من السلطة القضائية، تمسكا بمطلبيْ إصلاح القضاء وضمان استقلاليته.
والاثنين، جدد المجلس الأعلى للقضاء في تونس "رفضه المساس بالبناء الدّستوري للسلطة القضائية عبر المراسيم (الرئاسية)".
جاء ذلك في بيان للمجلس (هيئة دستورية مستقلة)، عقب اجتماع الرئيس التونسي قيس سعيد مع مسؤولين عن مجالس قضائية، بينهم يوسف بوزاخر، رئيس المجلس الأعلى للقضاء، في قصر قرطاج، قرب العاصمة تونس.
وعن موقف الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة عمالية) من الأزمة الحاصلة في تونس، قال مبروك إن "الاتحاد طالما حرص على الحفاظ على شعرة معاوية بينه وبين سعيّد من خلال المساندة الضمنية لإجراءات 25 يوليو/ تموز الماضي، لكنه واجه صدا من جانب الأخير."
وأضاف: "نحن أمام رمال متحركة، ومواقف الاتحاد العام التونسي للشغل تحكمها التوازنات، على الرغم من نزوع الخطاب داخله نحو المواجهة".
في سياق آخر، شدّد مبروك على أن "الصراعات السياسية بين الأحزاب في تونس يمنعها من الالتقاء والتكتل لمواجهة سعيّد"، مضيفا "قد نشهد تقاربا في قادم الأيام بين النهضة وبعض الأحزاب المناهضة للانقلاب"، وفق قوله.
ورأى مبروك أن "المجتمع التونسي ترتفع فيه المخاطر الأمنية، ويعاني من تفكك الروابط الأسرية، والفردانية المتورِّمة ومن ارتفاع نسب العنف حتى على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، ونرجو ألا يفيض ذلك على الشارع".
ودعا إلى معالجة هذه الظواهر من خلال وضع سياسات عمومية وابتكار أساليب جديدة للتخفيف من هذه الظواهر.
وحذّر من "أن تشهد تونس سيناريوهات مشابهة للسيناريو اللبناني واليوناني، لكن في صورة أكثر شراسة، على شاكلة حروب الشوارع والحروب الأهلية، نظرا إلى ارتفاع حالات الاحتقان وتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ما لم يتم الاحتكام إلى العقل والتحاور وانتهاج سياسة إطفاء الحرائق".
وختم مبروك حديثه إلى "الأناضول" قائلا إن "قوسي الانقلاب سيتم غلقهما مهما طال الزمن، وستستعيد تونس ديمقراطيتها وعافيتها بكثير من التضحيات أو الخسائر، وبتكلفة باهظة بعد عبور صحراء قاحلة، ولن تكون تونس لقمة للانقلاب يخفي آخر".
وترفض غالبية القوى السياسية في تونس، بينها حزبا "النهضة و"قلب تونس و"ائتلاف "عيش تونسي "، إجراءات سعيد الاستثنائية، وتعتبرها "انقلابا على الدستور"، بينما تؤيدها قوى أخرى ترى فيها "تصحيحا لمسار ثورة 2011"، التي أنهت نظام حكم الرئيس آنذاك زين العابدين بن علي.
وفي 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، بدأ سعيد فترة رئاسة من 5 سنوات، وهو يقول إن إجراءاته الاستثنائية ليست انقلابا، وإنما "تدابير في إطار الدستور" اتخذها لـ "حماية الدولة من خطر داهم".
news_share_descriptionsubscription_contact
