30 أكتوبر 2022•تحديث: 31 أكتوبر 2022
بيروت / نعيم برجاوي/ الأناضول
أنهى الرئيس اللبناني ميشال عون ولايته بتوقيع مرسوم استقالة حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة نجيب ميقاتي، في خطوة تقود لمنعطف سياسي حاد في البلاد.
وفي وقت سابق الأحد، أعلن عون مؤسس التيار الوطني الحر (أحد أكبر الأحزاب المسيحية) قبوله استقالة الحكومة في كلمة له، أثناء مراسم مغادرته قصر الرئاسة اللبنانية في بعبدا شرقي بيروت، قبيل يوم واحد من انتهاء ولايته الرئاسية التي دامت سنوات.
ويقوم النظام السياسي في لبنان على تقاسم السلطات والمناصب العليا وفقًا للانتماءات الدينية والطائفية، بحيث يكون رئيس الجمهورية مسيحيًا مارونيًا، ورئيس البرلمان شيعيًا، ورئيس الحكومة سُنيًا.
** خلاف دستوري
وتعتبر خطوة عون غير مسبوقة، حيث جرت العادة في لبنان أن يوقع رئيس الجمهورية مرسوم استقالة الحكومة في اليوم ذاته التي تتألف فيه الحكومة الجديدة، وفقاً لمراقبين.
وشكلت هذه الخطوة خلافًا دستوريًا، حيث يرى البعض أن ذلك سيمنع اجتماع الحكومة وتوليها صلاحيات رئيس الجمهورية في حال الفراغ الرئاسي، بينما يؤكد البعض الآخر أن حكومة تصريف الأعمال تمتلك الصلاحية الدستورية لذلك.
ومنذ سبتمبر/ أيلول الماضي، أخفق نواب البرلمان 4 مرات في انتخاب خلف لعون الذي تنتهي ولايته غدا الإثنين 31 أكتوبر/ تشرين الأول، وسط توقعات بحدوث شغور رئاسي قد يمتد عدة أشهر.
** ميقاتي يردّ
وفي المقابل، ردّ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في بيان أن "حكومته ستتابع القيام بواجباتها الدستورية ومن بينها تصريف الأعمال"، معتبرًا أن "المرسوم الذي قبل استقالة الحكومة، المستقيلة أصًلا بمقتضى أحكام الدستور، يفتقر إلى أي قيمة دستورية".
ومنذ يونيو/ حزيران الماضي، حالت الخلافات السياسية في البلاد إلى عدم تشكيل حكومة جديدة برئاسة ميقاتي بعدما كلفه البرلمان مجددًا بهذه المهمة، عقب استقالة حكومته إبان الانتخابات البرلمانية في مايو/ أيار الماضي.
وبغض النظر عن الأحقية الدستورية لتوقيع عون، إلا أن خطوته قد تفتح بابًا أمام أزمة سياسية جديدة في لبنان، بين فريق عون وحلفائه من جهة، ورئيسي الحكومة والبرلمان نجيب ميقاتي ونبيه بري من جهة أخرى.
** الدستور يمنع الفراغ
وقال الخبير الدستوري المحامي هيثم عزّو، إن توقيع مرسوم قبول استقالة الحكومة المستقيلة أصًلا هو إجراء إعلاني وليس إنشائي، أي أنه لا يغير من واقع الحال بالنسبة لحكومة تصريف الأعمال الحالية.
وأضاف للأناضول أن الدستور اللبناني نص في المادة 69 منه على أن الحكومة تعتبر حكمًا مستقيلة فور بدء ولاية جديدة للبرلمان، وهذا ما حصل في مايو الماضي.
وأردف: "توقيع المرسوم ليس من شأنه أن يكف يد هذه الحكومة عن تصريف الأعمال، خاصة إنه لا يوجد بديل عنها، وبالتالي لا يجوز حصول فراغ بالمؤسسات الدستورية".
** انقلاب على الطائف
وبغض النظر عن التفسيرات الدستورية، فإن خطوة عون تحمل أبعادًا سياسية، بحسب ما اعتبر النائب عن كتلة "اللقاء الديمقراطي" البرلمانية بلال عبد الله.
وقال عبد الله للأناضول إن "هذه الخطوة هي آخر محاولة من سلسلة ممارسات وإجراءات طيلة 6 سنوات الماضية (عهد عون) للانقلاب على اتفاق الطائف".
وأضاف: "الانقلاب سيفشل (...) هناك مجلس نواب ورئيس له، وكتل سياسية برلمانية ستقوم بواجباتها وتعمل على انتخاب رئيس جديد للجمهورية".
ولفت إلى أن "الحكومة ستكمل تصريف الأعمال لأن الفراغ في المؤسسات ممنوع، ويتم تغطيته من خلال حكومة تصريف الأعمال، هكذا ينص الدستور".
وإثر حرب أهلية استمرت 15 عامًا (1975 - 1990)، وقّع مسؤولون لبنانيون اتفاق الطائف في السعودية عام 1990 لوقف الحرب، ونُقلت بموجبها بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء، فأضحت مراكز السلطة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
** انقسام سياسي
ومن جانبه، اعتبر المحلل السياسي طوني بولس، أن لبنان دخل بمرحلة انقسام جديد، مشيرًا إلى أن الهدف وراء هذا المرسوم هو الإعلان بعدم اعترافه بالحكومة الحالية وأخذ البلاد نحو مؤتمر تأسيسي.
وأضاف للأناضول أن عون يسعى من خلال هذا المرسوم لإعطاء ضوء أخضر إلى تياره السياسي وأنصاره لعدم الاعتراف بحكومة ميقاتي.
وأشار بولس إلى أن حزب الله قد يقف بجانب عون في هذه الخطوة، وهذا ما قد يفتح المجال أمام تدخّل دول إقليمية وغربية من خلال مؤتمر تأسيسي للبنان.
** صلاحيات مشروعة
وفي المقابل، قال الكاتب السياسي غسان سعود إن رئيس الجمهورية ميشال عون مارس صلاحياته من خلال توقيع مرسوم إقالة حكومة تصريف الأعمال، مشيرًا إلى أنه كلما حاول الرئيس ممارسة صلاحياته "القليلة المتبقية" يُتهم بأنه ينقلب على الطائف.
وأضاف سعود للأناضول أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي هو من تقدّم سابقًا باستقالة الحكومة (عقب الانتخابات)، وعليه يعود لرئيس الجمهورية اتخاذ القرار بتوقيع المرسوم من عدمه ووفقًا للتوقيت الذي يراه مناسبًا.
وتابع: "عون قام بما يسمح له الدستور، وعليه فإن من يرفض خطوته عليه الانتقال إلى مؤتمر حواري ويطالب بتعديل ذلك".
وأردف سعود: "الحكومة المستقيلة لا يحق لها الاجتماع، سواء وقع الرئيس عون مرسوم استقالتها أم لا".