غزة/ نور أبو عيشة/ الأناضول
جمال أبو ريدة، مدير عام الإدارة العامة للآثار والتراث الثقافي، لوكالة الأناضول:باستخدام أدوات بسيطة، يزيل متخصصون في البحث عن الآثار وترميمها، الأتربة والعوالق عن عدد من القبور عُثر عليها مؤخرًا داخل مقبرة تعود للعهد الروماني اكتُشفت بالصدفة مارس/ آذار الماضي في المنطقة الشمالية الغربية لقطاع غزة.
وبعناية فائقة جدًا، يُنقّب أفراد من الطاقم عن قبور جديدة، بغرض الحفاظ على طبيعة المعالم الأثرية الموجودة.
القبور المُكتشفة حتى نهاية ديسمبر/ كانون الأول الجاري بلغ عددها نحو 110 قبور، وأخذت أشكالاً مختلفة بعضها بُنيَ على شكل مستطيل وبعضها الآخر اتخذ شكل المربّع، فيما شُيّد عددٌ منها بشكل هَرَمِيّ.
بعض القبور تميّزت بارتفاعها عن سطح الأرض، والبعض الآخر بتساويها معه، فيما يعطي اختلاف الأحجام والأشكال مؤشرات حول الحالة الاجتماعية أو الرتبة العسكرية للشخصية الرومانية المدفونة داخل القبر.
وخلال أعمال التنقيب، عثر الطاقم على قطع من مقتنيات فخارية يُعتقد أنها أجزاء من آنية أو أباريق كانت تُستخدم في المقبرة لنقل المياه.
وتعدّ مدينة غزة من مدن العالم القديمة، حيث خضعت لحكم الفراعنة، والإغريق، والرومان، والبيزنطيين، والمسلمين.
يقول جمال أبو ريدة، مدير عام الإدارة العامة للآثار والتراث الثقافي في وزارة السياحة والآثار بغزة، إنه تم العثور على المقبرة الرومانية بمحض الصدفة، في مارس/آذار الماضي، أثناء إجراء أعمال حفر وبناء في تلك المنطقة من قبل وزارة الأشغال العامّة والإسكان.
وأضاف في حديث لوكالة الأناضول: "بمجرّد عثورهم على جزء من هذه القبور، زرنا المكان وأجرينا معاينة ودراسة عاجلة، ومن ثم رفعنا توصية للجنة متابعة العمل الحكومي بضرورة وقف البناء على مساحة تصل لنحو ألفي متر مربّع".
وأوضح أن تلك المساحة تم تخصيصها "لوزارة الآثار لاستكمال أعمال التنقيب في المقبرة الرومانية".
وفي المرحلة الأولى من التنقيب التي بدأت في مارس/آذار واستمرت حتى أبريل/نيسان الماضيين، تم العثور على نحو 60 قبرًا، لتتوقف بعد ذلك عملية التنقيب بسبب انتهاء الميزانية التي تم تخصيصها لذلك، بحسب أبو ريدة.
وقال: "توقف التنقيب لعدم توفر الإمكانيات المالية للوزارة، خصوصًا أننا نعيش الحال الذي تعيشه باقي الوزارات من وجود عجز في الموازنات للقيام بدورنا في الكشف الأثري ولاستكمال أعمال التنقيب والترميم المطلوبة".
لذا استعانت الوزارة، بحسب أبو ريدة، بالمدرسة الفرنسية الإنجيلية والأثرية (مقرها القدس)، لتمويل عملية التنقيب.
وأوضح أن تلك المؤسسة هي التي "تُنفذ أعمال صيانة وترميم المواقع الأثرية سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية، باعتبارها جزءًا من الموروث الحضاري والثقافي للشعب الفلسطيني".
وبناء على التمويل الفرنسي لأعمال التنقيب، فقد عاد العمل داخل المقبرة مطلع شهر ديسمبر/ كانون الأول الجاري، بحسب أبو ريدة.
وعلى مدار الأسابيع الثلاثة الماضية من الشهر الحالي، عثر طاقم التنقيب على 50 قبرًا إضافيًا ليرتفع إجماليّ القبور التي تم اكتشافها إلى 110 قبور.
أبو ريدة أشار إلى أن وزارته "تتواصل مع كافة الجهات المعنية ذات العلاقة بالحفاظ على الموروث الفلسطيني، مثل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، والمجلس الثقافي البريطاني وغيرهم من المؤسسات".
وأوضح أن الهدف من ذلك هو "توفير التمويل لإغلاق المكان الذي تم اكتشاف المقبرة فيه بسور واقٍ، للحفاظ على القبور باعتبارها معلمًا أثريًا مهمًّا".
ولفت أبو ريدة إلى أن "المدرسة الفرنسية دعمت أيضًا توفير إجراءات الحفاظ على أرضية فسيفسائية تم اكتشافها قبل نحو 3 شهور شرق مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين، وسط القطاع، من خلال تغطية المكان المُكتشف بالبلاستيك لحماية الأرضية من الغرق".
ومع انتهاء فصل الشتاء، يأمل أبو ريدة بدء أعمال تنقيب جديدة في المقبرة الرومانية والأرضية الفسيفسائية شرق البريج.
وفق المسؤول في وزارة السياحة والآثار، حملت القبور المكتشفة عددًا من الدلالات التي تشير إلى أن أصولها تعود للعهد الروماني.
وأضاف أبو ريدة: "نملك فريقًا لديه خبرات جيدة في مسألة تقدير اللُّقى الأثرية سواء الثابتة أو المتحركة، كما لدينا نحو 100 ألف لقية أثرية مختلفة الأشكال والأحجام، تعود لعصور مختلفة".
وأوضح أن "امتداد القبور من الشرق إلى الغرب بخلاف المسلمين، أشار بشكل قاطع إلى عودة القبور للعهد الروماني"، ذلك أن "الرومان يسجّون الموتى داخل القبور من الشرق للغرب بخلاف المسلمين"، بحسب قوله.
وذكر أبو ريدة أن "الحجارة التي بُنيت منها تلك القبور كانت مُقتطعة من الصخور، حيث عُرف الرومان بقصّ الحجارة من الصخور وترتيبها بشكل منظّم".
وبيّن أن "أشكال القبور اختلفت بين المستطيل والمربع والهرمي"، مشيرًا إلى أن "بعض أنواع القبور كانت مرتفعة عن الأرض والبعض الآخر منخفضة".
وأرجع أبو ريدة اختلاف الأشكال والأحجام إلى "اختلاف الشخصيات الرومانية التي كانت تُدفن داخل القبور واختلاف مستوياتها الاجتماعية سواء غنيّ أو فقير، فضلاً عن اختلاف الرتب العسكرية التي كانوا يحملونها".
وعن ذلك قال: "القبور الضخمة تُعرف أنها تعود لشخصيات تحمل رتبًا عسكرية عالية كالقائد، وهي تختلف بطبيعة الحال عن القبور الخاصة بدفن جثة الجندي في العهد الروماني".
وكشف أبو ريدة أن الوزارة أشرفت على فتح أحد القبور إذ عُثر داخله على نقوش لرسمة "التاج"، موضحًا أنها تشير إلى أن الشخصية المدفونة في هذا القبر كانت برتبة "قائد عسكري" في الدولة الرومانية، بحسب قوله.
لفت أبو ريدة إلى أن أعمال التنقيب الحالية المموّلة من الفرنسيين ستتواصل حتى شهر مارس/آذار المقبل، ليتمّ تهيئة المكان لبناء سور وإغلاقه للحفاظ عليه من عبث العامّة غير المهتمين بالآثار.
وأردف أن "طاقم التنقيب العامل في الميدان مكوّنٌ من مجموعة من الخريجين والخريجات المتخصصين الذين درّبتهم المدرسة الفرنسية، بإشراف وتوجيه من الوزارة.
وقال أبو ريدة: "الفرنسيون يغطّون رواتب الطاقم، وتمويل التنقيب وتوفير أدوات العمل، والوزارة دورها إشرافي وتوجيهي".
"وبين الفينة والأخرى، يزور خبير فرنسي المواقع الأثرية للاطلاع على أعمال التنقيب والترميم"، وفق حديثه.
أما بخصوص الأدوات المستخدمة خلال التنقيب، قال إن "البحث عن الآثار وصيانتها وترميمها تتمّ باستخدام أدوات بسيطة جدًا وبشكلٍ يدوي كي لا تؤثر بشكل سلبي على طبيعة المعالم الأثرية".
وعن الوضع في ظل الحصار الإسرائيلي، قال أبو ريدة إن "الحصار منع طواقم الوزارة من المشاركة في المؤتمرات الإقليمية والدولية للاستفادة من خبرات خبراء الآثار في الخارج".
كما "تمنع إسرائيل دخول عدد من المواد اللازمة لإتمام أعمال صيانة وترميم الآثار، إلا في أحيان قليلة حيث يُسمح بدخولها بكميات بسيطة جدًا وبشكل مشروط".
ومنذ عام 2007 تفرض إسرائيل حصارًا مشددًا على قطاع غزة، الأمر الذي ألقى بظلاله السلبية على الظروف المعيشية للسكان، كما أثّر على كافة القطاعات الاقتصادية والصناعية والحيوية والثقافية والتعليمية وصولاً إلى الأثرية.
news_share_descriptionsubscription_contact
