غزة / نور أبو عيشة / الأناضول
أرسل الطفل محمد أيوب (14 عاما) من سكان مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، رسالته التي لم يعرف أنها "الأخيرة" إلى والدته "شفهيا" عبر زوجة خاله، خلال تسلله "خلسة" من المنزل للمشاركة بمسيرة "العودة السلمية".
"محمد" أو "حمادة" كما يناديه أهله، أمسكت به زوجة خاله على درجات السلم خلال تسلله إلى خارج منزل عائلة والدته، لكنه تسرب من بين يديها وقال لها: "أخبري والدتي أني آسف، وسأعود بعد ساعة تماما من المسيرة".
وبالفعل عاد محمد، لكن محمولا على الأعناق، حيث أصابته رصاصة قناص إسرائيلي في رأسه مباشرة، ليفارق الحياة بعد فترة بسيطة في المشفى.
وما تزال الأسرة في حالة من الأسى والحزن الشديد على فراق الطفل "محمد" المأساوي والصادم، يزيد من وقعها على والده أنه لم يتمكن من تلبية أمنيته بامتلاك جهاز لوحي "آي باد".
تقول والدته إنه كان مطيعا لها، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من المشاركة في مسيرة العودة الحدودية يوم الجمعة الماضي (20 أبريل / نيسان) الجاري.
وتضيف لوكالة الأناضول، إن "قلبه كان يفرح" حينما يرى الأراضي الخضراء التي تقع خلف السياج الحدودي الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل، حيث إنها تثير حماسته لفكرة "حق العودة" لقرية "ْبرير" التي هُجر منها أجداده عام 1948.
** صباح الجمعة
على غير عادته، استيقظ "محمد" ورافق شقيقته الصغرى "ديما" (ابنة العامين والنصف) إلى المتجر القريب من منزلهما، واشترى لها بعض "الحلوى".
وهو عائد إلى المنزل، لاحظت والدته علامات الهدوء على وجهه، وهو الطفل الذي عودهم على حركته الكثيرة واللافتة.
كما أنه ـ على غير العادة ـ ساعدها في ترتيب المنزل، حيث إن "زوج خالته" سيحل ضيفا على الأسرة.
وتقول والدته: "لم أشعر أنه كان يفعل ذلك في السابق".
** عصر الجمعة
اصطحبت الأم "رائدة أيوب" أطفالها ومن بينهم "محمد" إلى منزل جدهم في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، وكلما رأى محمد حافلة تقل المشاركين في مسيرات العودة، نظر إلى والدته نظرة تودد واستجداء.
فتجيبه والدته دون أن ينبس ببنت شفة: "لا.. لن تذهب اليوم يا حمادة (محمد) للمسيرة".
وهز "محمد" برأسه في إشارة منه لقبول رفض والدته، وخاطبها مغيرا الموضوع: "عندما نعود إلى المنزل أريد أن تحضري لي الشاورما".
وعدته والدته أن تجهز له تلك الوجبة المفضلة لديه، طالما كان مطيعا لها.
وما أن وصلوا إلى منزل الجد، حتى صعدت والدته لتلقي التحية على أهلها، أما "محمد" فقد أخبره ابن خالته أن جميع الأطفال خرجوا للمشاركة في "مسيرة العودة".
ذلك الأمر شجع "محمد" للخروج نحو المسيرة، فتسلل إلى خارج المنزل دون علم والدته، حيث أمسكت به زوجة خاله وقال لها "أخبري أمي أنني آسف لأني خرجت دون علمها، وسأعود بعد ساعة".
** مسيرة العودة
التقى "محمد" فور وصوله مخيم العودة المقام على بعد 650 مترا من الحدود الشمالية ـ الشرقية مع إسرائيل، عمته (شقيقة والده).
وصدفة، قدمت العمة لـ "محمد" ساندويش من "الشاورما" التي كان يشتهي تناولها قبل أقل من ساعة فقط.
فتناولها وغادر المكان، حتى وصل إلى مسافة تبعد عن السياج الأمني حوالي 250 مترا، فأصابته رصاصة من قناصة الجيش الإسرائيلي في رأسه مباشرة، كما قالت والدته.
** الوداع الأخير
هرع والد "محمد" إبراهيم (41 عاما) فور إصابته إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة.
وبينما كان الطفل يلفظ أنفاسه الأخيرة وهو على أجهزة الإنعاش الطبيعي داخل غرفة العناية المركزة، طلب والده من الأطباء الدخول إليه واحتضانه في ساعاته الأخيرة.
لم تمر ثوان قليلة على طلبه، حتى خرج الأطباء من الداخل ووجوههم حزينة على فقدانهم لـ "محمد".
وأول ما همس به والده داخل أذنه أن "سامحني يا بابا إذا بيوم قصرت بحقك".
وكان "محمد" يرغب بشدة أن يمتلك جهازا رقميا صغيرا (آي باد) أسوة بزملائه، لكن الوضع الاقتصادي السيئ لأسرته لم يمكّن والده من شرائه.
ويشعر والده اليوم بـ "غصة"، لأنه لم يستطع تلبية رغبة طفله.
وبعد استشهاده، تمضي الليالي "مُرة" على والده، وهو الذي اعتاد طليعة فجر كل يوم أن يستيقظ على مداعبة "محمد" له، حيث كان يتسلل إلى غرفة أبيه فجر كل يوم، ويقفز عليه بخفة لينام إلى جانبه، إذ كان الأكثر تعلقا بوالده بين إخوته الخمسة.
** أحلام صغيرة
"محمد" كان يحلم كما بقية الأطفال بالملابس الجديدة والألعاب المتطورة، لكنه كان طفلا قنوعا لا يطلب الكثير، ويراعي ظروف عائلته الاقتصادية، كما قال والده.
وبداية الشهر الجاري، أخذ بتجميع ملابسه المستعملة غير التالفة، وقال لوالدته "هذه ملابس عيد الفطر القادم.. يبقى فقط الحزام والحذاء، سأشتريهما من مصروفي في وقت لاحق".
كما أنه كان يعبّر عن رغبته الكبيرة في شراء الشتلات الزراعية، وبعض العصافير، والدجاج، والاعتناء بها، لكن الوضع الاقتصادي السيئ حال دون حلمه.
وكان أكثر ما يتمناه "محمد" أن ينجح هذا العام في المدرسة بدرجات مرتفعة، من أجل أن تفرح أمه.
** في المقبرة
إلى جانب قبره الذي زرع بالنباتات الخضراء، يجلس شقيقه الأكبر "أيوب" (17 عاما) يمسح دموع الاشتياق لـ "مشاكسات محمد".
"أيوب" بات يقضي أوقات فراغه الصباحية والمسائية قرب قبر أخيه، بعد أن كان معتادا على قضاء تلك الأوقات باللعب والضحك سويا.
ترك استشهاد "محمد" فراغا كبيرا لدى "أيوب"، لا يملأه غير "البكاء".
وتفشل كافة المحاولات التي يجريها "أيوب" من أجل نسيان لحظة "إصابة" شقيقه في رأسه، حيث كان شاهدا على تلك الجريمة.
** حلمه بالعودة
كان الحلم بالعودة إلى قرية "برير" التي هُجر منها أجداده عام 1948 هو الدافع الأساسي لمشاركة "محمد" في مسيرات العودة السلمية، كما قال والده.
ويستذكر الوالد أن "محمد" استشاط غضبا حينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل بداية ديسمبر / كانون الأول الماضي.
وفي ذلك اليوم، حمل "محمد" كتابه الدراسي في مادة "الوطنية" (أكثر المواد التي يحبها)، وبدأ يؤكد بالدليل القاطع لأهله أن "القدس للفلسطينيين، وأن الإسرائيليين لا مكان لهم على أرض فلسطين"، بحسب وصف والده.
ووصف الطفل "محمد" آنذاك "ترامب" بـ "المجنون الذي يعطي ما لا يملك، لمن لا يستحق".
** مقاضاة إسرائيل
ويقول "إبراهيم" والد "محمد"، إنه "سيرفع دعوى لمقاضاة إسرائيل على جرائمها التي ترتكبها بحق الفلسطينيين، لا سيما الأطفال".
وأوضح أنه أوكل جميع المؤسسات الحقوقية التي قدمت التعزية له لرفع تلك الدعوى، ومقاضاة إسرائيل.
وطالب بـ "إعدام الجندي الذي أعدم طفله محمد برصاصة بندقيته القناصة، بشكل مباشر".
وارتفع عدد الشهداء الذين سقطوا جراء اعتداء الجيش الإسرائيلي على متظاهرين سلميين قرب حدود غزة منذ 30 مارس / آذار الماضي وحتى مساء الاثنين (23 أبريل / نيسان) إلى 41 فلسطينيا، فيما أصيب الآلاف بجراح مختلفة.
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فإن الجيش يستخدم نوعا جديدا من الذخيرة الحية تتسبب في بتر أعضاء المصابين، وقد تؤدي إلى الموت.
وقالت الوزارة في مؤتمر لها الأسبوع الماضي، إن عشرات المصابين ما زالوا يعانون من جراح خطيرة جراء إصابتهم بالرصاص، ووثقت إصابة 176 شخصا في الأجزاء العلوية، و1027 في المناطق السفلية، و51 إصابة في منطقتي البطن والصدر، و68 إصابة في الحوض.
news_share_descriptionsubscription_contact
