تونس/يسرى ونّاس/الأناضول
- خبيران اعتبرا أن زيارة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى ليبيا تأتي في وقت فارق وتحمل رسائل متعددة9 سنوات مرت لم يزر فيها رئيس تونسي الجارة ليبيا، التي عرفت صراعات مسلحة وانقسامات، لتأتي زيارة الرئيس قيس سعيد بعد يوم من تنصيب الحكومة الليبية، وأسبوع من منحها الثقة من البرلمان.
ووصل سعيد، الأربعاء، إلى مطار "معيتيقة" الدولي في طرابلس، في أول زيارة رسمية لرئيس تونسي إلى ليبيا منذ عام 2012.
كذلك يعد سعيد، أول رئيس دولة يزور ليبيا عقب انتخاب سلطة تنفيذية جديدة بالبلاد في 5 فبراير/شباط الماضي.
وتأتي زيارة سعيد، بعد منح مجلس النواب الليبي خلال جلسة في سرت، الأربعاء الماضي، الثقة للحكومة التي يرأسها عبد لحميد الدبيبة، بتأييد 132 صوتا من أصل 133 حضروا جلسة التصويت.
وكان في استقبال سعيد بالمطار رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، ونائباه عبد الله اللافي وموسى الكوني.
وسعيد كغيره من المسؤولين التونسيين، طالما أكد أن الحل للأزمة الليبية يجب أن يكون سياسيا وليبيا - ليبيا.
وتحمل الزيارة بين طياتها رسائل رمزية عدّة بالنظر إلى توقيتها والظرف الذّي تمت فيه.
ولعل أبرز هذه الرسائل التأكيد على مواصلة دعم ليبيا كدولة مدنية ديمقراطية بعيدا عن الانقسامات والاقتتال الدّاخلي.
وتونس طالما رافقت مسار التسوية السياسية في ليبيا لسنوات، واحتضنت عدة محادثات بين الأطراف الليبية كان آخرها ملتقى الحوار الوطني الذي عقد فيها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
** علاقات إسناد متبادل
الخبير التونسي في الشأن الليبي، بشير الجويني، قال للأناضول: "أن يكون رئيس تونس أول الواصلين لطرابلس بعد تنصيب حكومة جديدة فيها، فإن ذلك يحمل رسالة عميقة جدّا، خاصة للأطراف التي سعت لترويج لنموذج ديمقراطي مدني في ليبيا، لأن هناك أطرافا أيضا راهنت على قلب النظام في ليبيا بشكل عسكري ودعمته".
واعتبرها "زيارة إعادة إحياء العلاقات مع تونس المبنية على أسس تكامل استراتيجي وإسناد متبادل".
وأضاف أن رمزية الزيارة تتمثل في أن "ليبيا وتونس انتصرتا لنظام مدني ولليبيا ديمقراطية ومدنية".
وأوضح الجويني أن "على تونس تعزيز التعاون الاقتصادي مع جارتها ليبيا ودفع التبادل والمنافع عبر شراكات استراتيجية تحافظ على المصالح العليا لكل بلد".
ولفت إلى أن "الواقع الاقتصادي التونسي يعاني مشاكل كبيرة، والحلول تمر عبر تكامل وانسجام في الجانب الاقتصادي بين البلدين".
ورأى الجويني أن الزيارة قد تحمل نتائج إيجابية "سيما فيما يتعلق بالتنمية على الحدود التونسية الليبيّة، إذ طالما عرف الشريط الحدودي بحيوية اقتصادية ونشاط تجاري متواصل بين البلدين عبر عقود".
وأشار إلى أن الزيارة تحمل أيضا رسالة أخرى لدول الجوار، وهي أن تونس جارة تجمعها بليبيا مصالح كبيرة وتاريخية، وأن أمامها رهانا على قطع الطريق أمام أقلية من الأطراف التي يسوؤها حالة الاستقرار في ليبيا".
كما لفت الجويني إلى أن "الزيارة تحمل في جانب كبير منها رسائل بروتوكوليّة، لعل أهمها رسالة الوحدة الوطنية التونسية".
وتابع أنّ "الهدف يتمثل في التشديد على أن تونس كلها موحدة بهدف واحد هو خدمة التونسيين وتحقيق أهداف الثورتين في البلدين، وأنه من المنطقي جدا أن يكون الرئيس على رأس الزيارة وأن يفسر هو الخطوط العريضة الكبرى للتعاون بينهما".
** تونس داعمة للتوافقي الليبي
من جانبه، رأى رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان (مستقل)، مصطفى عبد الكبير، أن الزيارة تعطي رسائل خارجية عدّة لعل أهمها، "أن تونس محطة لا بد من الوقوف عندها، خاصة أنها طالما كانت داعمة للخيار التوافقي في ليبيا الذّي أشرفت عليه الأمم المتحدة".
وأضاف عبد الكبير للأناضول أنه "أريد من خلالها أيضا التأكيد لليبيين، على أن تونس كانت دائما وأبدا مع استقرار ليبيا ومع الدولة المدنية وأنها طالما رفضت حكم العسكر".
وأوضح أنه "كان بإمكان سعيد أن يزور ليبيا في السنتين الماضيتين زمن وجود سلطتين متصارعين وانقسامات تسود ليبيا، لكنه اختار هذا الوقت ليؤكد أنه مع وحدة الليبيين".
** رسائل داخلية
وأضاف عبد الكبير أنها تحمل أيضا رسائل للداخل التونسي "وكأن سعيد أراد أن يوجه رسالة لرئاسة الحكومة التونسية التي يعاني خلافات معها بأن ملف السياسة الخارجية هو من مسؤولياته".
وتمر تونس بأزمة سياسية إذ تسود خلافات بين سعيد، ورئيس الحكومة هشام المشيشي، عقب إعلان الأخير في 16 يناير/كانون الثاني الماضي تعديلا حكوميا شمل 11 حقيبة وزارية من أصل 25، وبعد 10 أيام صدّق عليها البرلمان، فيما لم يوجه سعيّد، دعوة إلى الوزراء الجدد لأداء اليمين الدّستورية أمامه، معتبرا أن التعديل شابه "خروقات".
وبحسب عبد الكبير فإن سعيد أراد أيضا أن يقول للمواطن التّونسي إنه "رغم الظروف الأمنية فإنني متوجه إلى ليبيا وبأنني سأفتح الطريق أمام العملة والمستثمرين هناك وبأنني أفكر بكم كيد عاملة".
وزاد أن "زيارته فيها نوع من التحدي للوضع الأمني الذي ما زال غير مستتب وغير مستقر على الشكل المطلوب في ليبيا".
"وكأنه أراد بذلك أن يقول أنا رجل أزمة، وأستطيع الذهاب إلى ليبيا في أي وقت كان، وأنا أتحدى كل الصعاب"، وفق تعبير الحقوقي التونسي.
** زيارة سياسية بامتياز
وبيّن عبد الكبير أن زيارة الرئيس التونسي لليبيا زيارة سياسية بامتياز "فيها دعم لليبيين، ومساندة للتوافق الجديد، وتأكيد بأن تونس ستكون قاطرة الليبيين في إعادة الإعمار، وفي تسهيل كل الوضعيات المعطلة في ليبيا".
وزاد: "سعيد أيضا أراد من خلال زيارته تذليل الصعاب أمام المستثمرين حتى تتكون شراكات استراتيجية بين البلدين في عدة مجالات اقتصادية تعود بالنفع على الجميع"، معتبرا إياها "إشارة انطلاق نحو عمل المستثمرين التونسيين داخل ليبيا".
** الوضع الأمني
أما على المستوى الأمني فأكد عبد الكبير أنّ "الزيارة لن تتطرق بشكل كبير للوضع الأمني، خاصة أن مستوى التعامل الأمني مع الجارة ليبيا يتم منذ فترة وفق خطة أمنية واضحة وعبر تعامل استخباراتي بعيدا عن كل التعليمات السياسية".
وتابع أنه "قد يكون هناك تركيز على تطوير منظومة الحماية على الحدود وتبادل المعلومات، خاصة أنه لم يتم الاتفاق بعد على حقيبة الدفاع في حكومة الدبيبة".
وفي السياق ذاته اعتبر الجويني أنّ الجانب الأمني "لا يجب أن يأخذ حيزا كبيرا من الزيارة لأن التنسيق حاليا في أعلى مستوياته".
وأضاف أنّ "مسؤوليات سعيد تفرض عليه تسيير السياسة الخارجية وترك المسائل الأمنية والتنسيق للمؤسسات الأمنية والمختصين".
وليبيا إحدى البلدان المهمة في سياسة تونس الخارجية، حيث تجاورها من الغرب، وانعكست التطورات الأمنية فيها خلال السنوات الأخيرة على الاستقرار في تونس، خاصة من ناحية المسلحين التابعين لتنظيم "داعش" الإرهابي الذين نفذوا أكثر من محاولة تسلل تصدت لها السلطات هناك.
كما يعد التبادل التجاري أمرا مهما لاقتصاد البلدين، والذي بلغ 1.2 مليار دينار تونسي (373 مليون دولار) في 2018.
وآخر زيارة أجراها رئيس تونسي إلى ليبيا كانت في عهد الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي وجرت في يناير/ كانون الثاني 2012.
وعلى مدار سنوات، عانت ليبيا صراعا مسلحا، على خلفية دعم دول عربية وغربية، مليشيا الجنرال الانقلابي المتقاعد خليفة حفتر، الذي كان ينازع الحكومة المعترف بها دوليا، على الشرعية والسلطة في البلاد.
ويسود ليبيا، منذ 23 أكتوبر/تشرين الأول 2020، وقف لإطلاق النار، برعاية الأمم المتحدة، تنتهكه مليشيات حفتر من آن إلى آخر.
news_share_descriptionsubscription_contact
