ذكريات القاهرة.. محطات بحياة شاعر الاستقلال التركي أرصوي (تقرير)
- محمد عاكف أرصوي أحد أكثر الشخصيات شهرة في الأدب التركي في أوائل القرن العشرين
Al Qahirah
القاهرة / الأناضول
- محمد عاكف أرصوي أحد أكثر الشخصيات شهرة في الأدب التركي في أوائل القرن العشرين- عرف بشاعر الاستقلال لأنه هو مؤلف النشيد الوطني التركي المعروف باسم "نشيد الاستقلال"
- تتجلى قيمته لدى الأمة التركية بالمستوى الرفيع لقصائده وبكونه ممثلا صادقا للوجدان الوطني
- شكلت أشعار أرصوي مصدرا لتعزيز المعنويات ومشاعر الوحدة خلال فترات النضال الوطني
في منزل متواضع بحي حلوان جنوبي العاصمة المصرية القاهرة، أمضى شاعر الاستقلال التركي محمد عاكف أرصوي أكثر من 11 عاما من حياته التي قضاها في الدفاع عن الوطن وقضايا الأمة الإسلامية.
أرصوي هو أحد أكثر الشخصيات شهرة في الأدب التركي بجميع أنحاء العالم أوائل القرن العشرين وعرف بشاعر الاستقلال لأنه ألّف النشيد الوطني التركي المعروف بـ"نشيد الاستقلال".
وأعلنت قصيدة "نشيد الاستقلال" رسميا نشيدا وطنيا لتركيا من قبل الجمعية الوطنية التركية الكبرى (البرلمان) في 12 مارس/ آذار 1921.
في قصيدته خلّد أرصوي معركة أمته من أجل البقاء عقب الحرب العالمية الأولى، التي توجت بالتحرير عام 1921 إثر حرب الاستقلال التركية ضد الاحتلال الأجنبي.
وُلد أرصوي في 20 ديسمبر/ كانون الأول 1873 بمدينة إسطنبول، ونشأ في أسرة علمية، إذ كان والده الشيخ محمد طاهر أفندي من مدرسي مدرسة الفاتح، وكان له أثر بالغ في توجيه ابنه منذ صغره نحو العلوم اللغوية والدينية.
وفي سن مبكرة، تعرف أرصوي على اللغات وعلوم الدين، إذ تعلم العربية والفارسية والفرنسية.
بدأ والده بتعليمه اللغة العربية في مرحلة مبكرة، ثم أتم دراسته في الطب البيطري، غير أن اهتمامه بالأدب لم ينقطع، إذ واصل انشغاله به خلال سنوات دراسته، ثم خلال عمله في ميدان التعليم.
** ذكريات المنفى الاختياري
زار أرصوي القاهرة عدة مرات وكان يمضي فصل الشتاء فيها والربيع في إسطنبول وذلك خلال الفترة من 1923 و1925 بناء على دعوة من صديقه الأمير عباس حليم باشا.
في العام 1925 حظرت السلطات آنذاك مجلة "سبيل الرشاد" التي كان يصدرها محمد عاكف ومجموعة من أصدقائه، وبسبب تضييقات أمنية عليه ومشكلات مادية بسبب رفض السلطات منحه راتبا تقاعديا، اختار القاهرة لتكون "منفى اختياريا" قضى فيه 11 سنة.
سافر أرصوي إلى القاهرة وهناك قضى عاما ضيفا في قصر صديقه وداعمه الأول ماديا ومعنويا، الأمير عباس حليم باشا ثم انتقل للعيش في منزل متواضع من طابق واحد في حلوان.
ولا يزال المنزل قائما حتى اليوم، وتبذل تركيا عبر وزارة الخارجية وسفارتها في القاهرة جهودا مستمرة منذ سنوات من أجل شراء المنزل من أصحابه وتحويله إلى متحف.
وفي العام 1929 حصل أرصوي على وظيفة لتدريس اللغة التركية وآدابها بكلية الآداب بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة حاليا)، عن طريق صديقه المفكر الأديب المصري عبد الوهاب عزام الذي كان له الفضل في تعرف الأوساط الثقافية العربية على عاكف وأشعاره.
ولا تزال جامعة القاهرة حتى اليوم تطلق اسم محمد عاكف أرصوي، على أحد أكبر مدرجات كلية الآداب.
** ذكريات الفيشاوي
كان أرصوي يتردد على مقهى الفيشاوي بمنطقة خان الخليلي في حي الحسين العريق وسط القاهرة، وبها كتب بعض أشعاره.
هذا المقهى كان ملتقى للشعراء والأدباء والمثقفين، وفيه كتب الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ كثيرا من أعماله.
ولا تزال صورة محمد عاكف أرصوي تزين أحد جدران المقهى الذي يضم صور الكثير من المشاهير الذين ترددوا عليه.
محمود إبراهيم أحد العاملين بمقهى الفيشاوي يقول للأناضول، إنه يعمل في المكان منذ سنوات طويلة، وإن الصورة معلقة على الجدار قبل مجيئه.
ويضيف أنه لا أحد في المقهى يعرف بالتحديد متى علقت الصورة لكنه يعرف أن عاكف شاعر تركي كبير.
** ترجمة معاني القرآن
انشغل عاكف لسنوات أثناء إقامته بالقاهرة بترجمة معاني القرآن الكريم بناء على اتفاق عقده مع رئاسة الشؤون الدينية.
كان يرسل بعض الأجزاء التي يترجمها إلى العالم التركي إلماليلي حمدي يازر، ليقوم بتضمينها في تفسير القرآن الكريم، الذي كلفته بكتابته رئاسة الشؤون الدينية.
إلا أن عاكف توقف عن إرسال الترجمة وفسخ العقد الذي وقعه مع رئاسة الشؤون الدينية، وأرسل يطلب من يازر أن يبعث له الأجزاء التي ترجمها وأرسلها له قبل ذلك.
وقبل رحيله من مصر ترك الأجزاء التي ترجمها من القرآن الكريم لدى أحد أصدقائه وأوصاه بحرقها إذا لم يعد إلى القاهرة مرة أخرى.
وفي العام 1936 اشتد المرض على عاكف فقرر العودة إلى إسطنبول فسافر من القاهرة للبنان ثم لأنطاكية (بولاية هطاي جنوبي تركيا) وقضى فيهما فترة ثم سافر إلى إسطنبول واستقر في منزل ببناية "مصر" بشارع الاستقلال وسط إسطنبول، التي كانت ملك لعائلة الأمير عباس حليم، لتلقي العلاج وفي المنزل نفسه توفي عاكف في 27 ديسمبر/كانون أول 1936.
** شاعر الأمة الإسلامية
تتجلى قيمة أرصوي لدى الأمة التركية ليس فقط بمستوى الأدب الرفيع لقصائده، بل أيضا في كونه ممثلا صادقا للوجدان الوطني، إذ شكلت أشعاره مصدرا لتعزيز المعنويات ومشاعر الوحدة خلال فترات النضال.
عن ذلك، يقول أستاذ الأدب التركي بكلية الآداب جامعة القاهرة عبد الله العزب، إن عاكف شاعر عبقري نادى بتوحيد الأمة الإسلامية برمتها حتى تقف في وجه الغزو والاستعمار الأوروبي.
وفي حديثه للأناضول يضيف العزب وهو من الأكاديميين المصريين الذين ترجموا أشعار محمد عاكف إلى العربية، أن عاكف حرص أثناء وجوده في مصر على توطيد صداقته مع كثير من رواد الفكر والأدب ومنهم عبد الوهاب عزام الذي ترجم له بعض أشعاره للعربية.
وترك عاكف، وفق العزب، أثرا عميقا في نفوس كبار الشعراء المصريين الذين تعرف عليهم أثناء وجوده بالقاهرة، كما درس اللغة التركية في جامعة القاهرة وكان له أثر كبير في الطلاب.
كما كتب عدة قصائد في مصر منها الوحدة، والهجران، والشيخ حسام أفندي، وليلة واحدة، ولا أثر ولا بردعة، والدرويش أحمد، بحسب أستاذ الأدب التركي.
ويوضح العزب أن عاكف "كتب كل هذه القصائد في حلوان ما بين أعوام 1925 إلى 1931.
"ولا ننسى في هذا المقام القصيدتين الرائعتين اللتين كتبهما عاكف في الحضارة المصرية القديمة، وهما في الأقصر، ووجهاً لوجه مع فرعون، حيث وصف عاكف في هاتين القصيدتين أمجاد المصريين القدماء وكان شديد الإعجاب بهذه الحضارة"، وفق العزب.
ويختم العزب حديثه قائلا: "لا شك أن الشاعر العظيم عاكف قد أثر في الثقافة المصرية وتأثر بها".
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
