باريس/ رشا الرفاعي/ الأناضول
- زعيم اليسار الراديكالي ميلونشون يتمكن من التحالف مع الخضر والشيوعيين والحزب الاشتراكي في الانتخابات التشريعية المقبلة لكبح إصلاحات ماكرون
- باستثناء ميلونشون الذي حصل على 22 بالمئة في الرئاسيات جميع مرشحي اليسار سجلوا أقل من 5 بالمئة من الأصوات
بعد إخفاق أحزاب اليسار الفرنسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وتحقيق أغلب مرشحيها نتائج متواضعة، تسعى لتدارك الأمر في الانتخابات البرلمانية المقبلة، والتحالف فيما بينها لتفادي انتكاسة جديدة.
يعود الناخبون الفرنسيون لمراكز الاقتراع مجددا ليصوتوا في الانتخابات التشريعية المزمع إجراءها في 12 و19 يونيو/ حزيران المقبل، ويقرروا من سينال الأغلبية البرلمانية، خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويبدو أن أحزاب اليسار تريد فرض حالة "التعايش" على الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي أعيد انتخابه للمرة الثانية، وخوض هذا الاستحقاق الانتخابي بكامل قوتها، للمشاركة في تشكيل حكومة ائتلافية، ما يتيح لها إمكانية كبح إصلاحات الرئيس.
حيث نجح زعيم حزب اليسار الراديكالي "فرنسا الأبية" جان-لوك ميلونشون، في عقد تحالفات مع الخضر، والشيوعيين، والاتفاق مبدئيا مع الحزب الاشتراكي.
غير أن الحزب الاشتراكي، ليس على قلب رجل واحد، حيث تحفظت عدة أسماء بارزة فيه على التحالف مع حزب ميلونشون، على غرار رئيس الجمهورية السابق فرانسوا أولاند، ورئيس الحكومة الأسبق بيرنار كازنوف، الذي هدد بالانسحاب من الحزب إن تم الاتفاق.
ويعتبر المعارضون لهذا التحالف أنه "سيكون بمثابة التخلي عن قيم الحزب الاشتراكي، وسيعني محو هذه القوة السياسية لصالح اليسار الراديكالي، الذي يتزعمه ميلونشون".
ويتفق المحلل السياسي الفرنسي، أوليفييه روكوان، مع من يرى أن هذا التحالف اليساري "تاريخي"، و"غير مسبوق"، باعتبار أن "اليسار يريد أن يتوحد في صف واحد، وأن يكون له مرشحون مشتركون منذ الجولة الأولى في الانتخابات التشريعية".
وأرجع روكوان، في حديث للأناضول، هذا التحالف إلى "الضعف الذي تعاني منه أحزاب اليسار، وتجلى بشكل واضح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وحظوظهم القليلة في المرور إلى الدور الثاني".
وباستثناء ميلونشون، الذي حصل على 22 بالمئة من أصوات الفرنسيين وحلّ ثالثا في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، كانت نتائج مرشحي اليسار سيئة جدا.
إذ لم تتعدّ 4.63 بالمئة بالنسبة لمرشح الخضر، "يانيك جادوت"، و1.75 بالمئة لمرشحة الحزب الاشتراكي "آن هيدالغوا".
ويستدرك روكوان، "إذا تناولنا التحالف من جانب آخر، يهم تحقيق تحالف انتخابي ومحاولة الانسجام بين الإيديولوجيات المختلفة لأحزاب اليسار، فهذا أمر سبق وأن تحقق خلال عدة استحقاقات انتخابية خلال الجمهورية الخامسة".
ويرى أن الحديث عن إمكانية تحقيق أحزاب اليسار أغلبية برلمانية "أمر صعب تحديده حاليا، بالنظر إلى استطلاعات الرأي والحسابات التي انطلقت منذ صدور نتائج الانتخابات الرئاسية، وخصوصية الدوائر الانتخابية".
وبحسب استطلاع رأي قام به معهد "إيفوب" لسبر الآراء، لصالح جريدة "لوجرونال دو ديمونش"، فإن 61 بالمئة من الفرنسيين يعتقدون أن اليسار لن يفوز في الانتخابات التشريعية.
فيما يرى الفرنسيون، وفقا لاستطلاع جديد لشركة "إيلاب" لصالح قناة "بي آف إم"، أن ميلينشون، وتحالف "الاتحاد الشعبي والبيئي والاجتماعي الجديد"، أفضل قوة معارضة لماكرون، متقدمين على متزعمة اليمين المتطرف مارين لوبان.
كما أبرز استطلاع أجرته مؤسسة هاريس إنتراكتيف، في الفترة من 24 إلى 25 أبريل/ نيسان الماضي، أن اليسار الموحد سيحصل على 33 بالمئة من الأصوات، بالتساوي مع تحالف حزب ماكرون والمحافظين، و31 بالمئة لليمين المتطرف.
ويعتبر روكوان، في المقابل، أن هذا الشك في النتائج راجع بالأساس إلى "نسبة الامتناع عن التصويت التي قد تسجل، ومن سيغيب عن هذا الاقتراع".
وبلغت نسبة الامتناع عن التصويت في الدور الثاني للانتخابات التشريعية في 2017، بحسب أرقام وزارة الداخلية، 57.36 بالمئة، بالإضافة إلى نحو 3 بالمئة أوراق بيضاء، و1.22 بالمئة أصوات ملغاة، ولم تتجاوز نسبة الأصوات المعبر عنها 38.43 بالمئة.
وأشار المحلل السياسي إلى "خصوصية كل دائرة انتخابية (517 دائرة) سيكون هناك مرشحون مقررون، ومرشحون غير معروفون. كلها أمور قد تقلب موازين القوى بالتأكيد".
وتابع "لهذا لا يمكن أن نخرج بنتيجة مبنية على نتائج الانتخابات الرئاسية، لأن الحقيقة ستخرج من الواقع المحلي".
ووفقا لروكوان، يسعى اليسار من خلال هذا التحالف إلى "توحيد صفوفه وتقديم مرشحين يمثلون التحالف ككل، لكن المؤكد أن عدد مرشحي حزب فرنسا الأبية" سيطغى على مرشحي الحزبين الاشتراكي والخضر".
واستدرك "هذا لا يعني نهاية الحزبين، وانصهارهم في الإيديولوجية الميلونشية".
ويضيف، "حاليا، الاتفاقيات التي أبرمت تهم أولاً الدوائر الانتخابية، و(ثانيا) البرنامج الحكومي المشترك، الذي على أساسه سيتم تجنب العقبات".
وتابع "بالنسبة للنقاط الرئيسية للبرنامج المشترك لهذا التحالف، فمشروع ميلونشون الرئاسي كان بمثابة الحجر الأساس خلال المفاوضات".
إذ أن الاتفاقيات التي أبرمها حزب "فرنسا الأبية" مع حلفائه الجدد تتضمن الحق في التقاعد في سن الستين، وزيادة الحد الأدنى للأجور إلى 1400 يورو، مع تجميد أسعار "الضروريات الأساسية"، و"التخطيط الإيكولوجي".
وإذا حقق التحالف اليساري هدفه وحصل على أغلبية المقاعد (289 مقعد من إجمالي 577) فسيكون له دور في اختيار رئيس الوزراء.
لكن روكوان، يستبعد أن يكون ميلونشون، المرشح الوحيد لقيادة الأغلبية، وليصبح رئيسًا للوزراء "يجب أن تكون لديه سياسات واضحة وقوية ويحظى بدعم كافٍ في البرلمان".
وفي حال فشل اليسار في الحصول على الأغلبية المطلقة التي حققها ماكرون في استحقاق عام 2017، قد يكون من علامات نجاح هذا التحالف أن يحصل على مقاعد أكثر بالمقارنة مع الانتخابات السابقة، التي لم يحصل خلالها سوى على 60 مقعدا.
وتجري انتخابات "الجمعية العامة" (الغرفة الأولى للبرلمان)، في جولتين، وللفوز مباشرة من الدور الأول يجب على المرشح أن يتحصل على الأغلبية المطلقة للأصوات (50 بالمئة +1)، شريطة أن لا تقل نسبة المشاركة في دائرة المرشح عن 25 بالمئة.
وإذا لم يحصل المرشح على الأغلبية المطلقة في الدور الأول، يمكنه الانتقال إلى الدور الثاني إذا حصل على نسبة تفوق 12.5 بالمئة، وخلال الجولة الثانية يفوز المرشح الحاصل على أغلبية الأصوات.
news_share_descriptionsubscription_contact
