أنقرة/ جيهون علييف، سورفار علام / الأناضول
تتذكر أذربيجان ذكرى مأساة 20 يناير/ كانون الثاني 1990، المعروفة بـ"ينايرالأسود"، بخليط من الحزن والفخر والاعتزاز، كما قال سفيرها لدي تركيا، خزار إبراهيم، في مقابلة خاصة مع الأناضول.
وشهدت أذربيجان في هذا اليوم مذبحة راح ضحيتها أكثر من 130 شخصا وجرح مئات المدنيين على يد الجيش السوفياتي في باكو والمناطق المحيطة بها، ما جعل كثيرين اعتبار هذه الحملة العنيفة ولادة جديدة لجمهورية أذربيجان.
ورافق تلك الحملة أيضًا موجة من الاعتقالات الجماعية، ونشر غير مشروع للقوات السوفيتية، أعقبه تدخل عسكري.
وبمناسبه الذكرى الثلاثين للمأساة، قال إبراهيم أن الشهداء الذين قتلهم الجيش السوفيتي "أصبحوا رمزا للاستقلال".
وأضاف: "لقد ذُبِحَ شعبنا في الشوارع، لسبب بسيط، كونه يطالب بالاستقلال والسيادة على أرضه وكرامة بلده".
وفي ليلة 19-20 يناير، وتحت تعليمات مباشرة من ميخائيل غورباتشوف، الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي آنذاك، دخلت وحدات عسكرية سوفييتية، ولجان من أمن الدولة، ووزارة الداخلية إلى باكو والمناطق المجاورة، وجرى ذبح المدنيين العزل بمعدات عسكرية ثقيلة، وفقًا لوزارة الدفاع الأذربيجانية.
ولفت إبراهيم إلى أنه في 20 يناير من كل عام يذهب الجميع في أذربيجان إلى منطقة الشهداء حيث يظهرون احترامهم، وتعازيهم ويشيدون بضحايا المذبحة، إحياء لذكراهم وتضحياتهم من أجل مستقبل الأمة.
وتابع : "إنه يوم للحزن، ولكن في الوقت نفسه، يوم فخر، لأن شهداءنا، انتزعوا وأسسوا أرضية لنا لنصبح أحرارا مستقلين. وأظهروا إرادة الشعب الأذربيجاني التي لا تنحني في أن يكونوا معا دائما للمطالبة بحق بلادهم في أن تصبح عضوًا بالمجتمع الدولي".
وشدد السفير الأذربيجاني أن "يناير الأسود" أظهر أن شعب أذربيجان في صورة موحدة كأمة في أصعب وقت للبلاد، واستعاد استقلاله.
وأعلنت الجمهورية الديمقراطية الأذربيجانية، المعروفة أيضا باسم جمهورية أذربيجان الشعبية، استقلالها لأول مرة عن القيصر الروسي برئاسة محمد السيد مني ريدفاده في 28 مايو/ آيار 1918، ولكن تم الإطاحة بها بعد ما يقرب من عامين.
وفي 1991، أعادت أذربيجان وضعها كدولة مستقلة في 18 أكتوبر / تشرين الأول.
** ماضي أذربيجان وحاضرها
إن المقارنة بين المكان الذي كانت فيه أذربيجان، ومكانتها اليوم تيرز "تقدما هائلا" يمكن رؤيته بوضوح، حسب السفير إبراهيم.
وقال إنه "في 1990 لم تكن أذربيجان مستقلة بعد. لم يكن لدينا مهماتنا الدبلوماسية، لم يكن لدينا مال في ميزانيتنا، ولم يكن لدينا هياكل حكومية فعالة بشكل طبيعي".
وأضاف غير أن أذربيجان حاليا تعد "الزعيم الإقليمي في منطقة جنوب القوقاز".
وشدد إبراهيم علي مكانة الاقتصاد الكبير والقوات المسلحة القوية والسكان المتعلمين في أذربيجان.
وقال إن بلاده "عضو نشط في المجتمع الدولي، وعضو في معظم المنظمات الدولية، فضلا عن سعيها الحثيث للاندماج في الساحة العالمية".
وأضاف أن أذربيجان اليوم "قائدة" في مختلف المجالات مثل توفير أمن الطاقة ليس لبعض الدول فحسب، وإنما لبعض القارات أيضا.
كما أشار إلى مساهمتها الواضحة في قوات لحفظ السلام، وتمكين المحتاجين من المساعدة.
واستأنف السفير قائلا "منذ 1990، وفي غضون ثلاثين عاما فقط، أصبحت أذربيجان دولة رائدة في المنطقة، وعضو محترم في المجتمع الدولي، والأهم من ذلك، أنها دولة موثوق بها للغاية بالنسبة لشعبها".
** العلاقات مع روسيا
إبراهيم أوضح أيضا أن أذربيجان تقيم حاليا علاقات جيدة مع روسيا، مضيفا أن "القوات السوفيتية، هي التي أتت آنذاك من موسكو، وارتكبت هذه الجرائم ضد شعب أذربيجان".
وأشاد إبراهيم بروسيا باعتبارها "قوة كبيرة"، ليس فقط في المنطقة ولكن على الصعيد العالمي.
وتابع: "دائما نقول لروسيا، والولايات المتحدة، والصين، والاتحاد الأوروبي، وجميع اللاعبين العالميين الكبار أننا نتوقع منكم أن تكونوا بناءين. وتحترموا أيضا حقوق الدول الصغيرة. لأن بعضهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن الدولي، وعليهم توفير الأمن والاستقرار في العالم".
كما لفت رئيس البعثة الدبلوماسية الأذربيجانية في تركيا إلى أن بلاده تقع في منطقة "مليئة ومثقلة بالصراعات".
وأردف قائلا: "العدوان الأرمني على أذربيجان أحد أكبر الاعتداءات، وأعتقد أطولها أيضا، في هذا الصدد. لذا، نتوقع من القوي الكبرى، بما فيها روسيا، أن تساعد في حل الصراعات وفقا للقانون الدولي".
** النزاع في قره باغ العليا
وعن هذا النزاع، قال السفير الأذربيجاني إن بلاده، للأسف، لا ترى تقدما كبيرا في تسوية اعتداء أرمينيا على أراضيها.
و"قره باغ العليا" إقليم آذري معترف به دوليا وتحتله أرمينيا بصورة غير قانونية في عدوان عسكري منذ عام 1991.
والأحداث التي أدت إلى مأساة "يناير الأسود" تعود في الواقع إلى نهاية الثمانينات، عندما جرت محاولات ضم الجزء الأعلى من قره باغ إلى أرمينيا، تزامنا مع موجة أخرى من طرد السكان الأذربيجانيين الأصليين من أراضيهم التاريخية، التي اكتسبت زخما وقتها.
وأضاف: "أرمينيا ليست لديها نزاعات مع أذربيجان فحسب، إذ أنها تطالب أيضا بأراضِ في الجمهورية التركية. ولم يتم حتى الآن استرجاع الأراضي الأذرية التي احتلتها، ولا تستجيب لقرارات مجلس الأمن الدولي التي تطالبها بالانسحاب".
وتطالب أربع قرارات لمجلس الأمن الدولي واثنان من الجمعية العامة للأمم المتحدة، فضلا عن قرارات منظمات دولية عديدة، بانسحاب القوات الأرمينية من أعالي قره باغ وسبع مناطق أخرى تحتلها في أذربيجان.
وأكد إبراهيم أن الدول الكبرى المسؤولة عن المساعدة في التفاوض "يجب أن تطالب المحتل والمعتدي بالقيام بما يتعين عليه القيام به"، مضيفا أن "الحكومة الأرمينية للأسف أثبتت أنها ليست على استعداد للقيام بذلك".
ومضى قائلا: "نأمل ليس من القوي الكبرى وحدها، ولكن أيضا من الثلاثة رؤساء المشتركين لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا المكلفة فعلا بالمساعدة علي وضع حد للاحتلال الأرميني".
وتم تشكيل مجموعة مينسك التابعة لمنظمه الأمن والتعاون في أوروبا-التي تشارك في رئاستها كل من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة -لإيجاد حل سلمي للنزاع، ولكن لم تتوصل بعد إلى أي نتائج.
** رسالة أذربيجان إلى العالم
لاينسى إبراهيم مأساة العشرين من يناير، قائلا: "نحن مجروحين معنويًا من ذلك اليوم، ولكننا لا نستسلم أبدا".
وأضاف "صدمت عندما تم حجب أذربيجان بشكل شامل من المجتمع الدولي، وتفجير محطة التلفزيون لدينا، ولم يكن لدينا أي وسيلة للتواصل مع العالم، كنا في حصار تام".
وحث إبراهيم العالم على عدم نسيان المذابح، مضيفا إن "إرادة الشعوب التي لا تنحني سعيا للاستقلال لا يمكن أن تقتل".
واستدرك: " لا يمكننا نسيان أن سعي الناس نحو الاستقلال لا يمكن أن يقتل بالرصاص. وقد أثبت الشعب الأذربيجاني ذلك".
** دور تركيا في أذربيجان
كما شدد إبراهيم على أن تركيا هي الدولة الوحيدة التي ساندت أذربيجان خلال تلك الأيام الصعبة قبل 30 عاما.
وقال: "لم يكن من قبيل الصدفة، قيام الرئيس الأذري السابق حيدر علييف بوصف أذربيجان وتركيا بأنهما دولتان، وأمة واحدة".
وأضاف: "لم يكن هناك سوى تركيا والشعب التركي الذين ذهبوا إلى الشوارع مطالبين بالعدالة لأذربيجان".