01 مارس 2022•تحديث: 01 مارس 2022
الكاف (تونس)/ عبد الباسط الزغيبي/ الأناضول
- مدينة ضاربة في القدم تنتصب آثارها على بعد نحو 190 كلم غرب تونس، وتقع على الطريق الرابطة بين قرطاج وتبسة (الجزائر)
- تُبرز آثارها اعتماد التنظيم العمراني منذ العصور الغابرة، وعندما استوطنها الرومان جعلوا منها مدينة كبيرة ومركزا تجاريا مهما
- بعض الحفريات الأخيرة أثبت أنها تعود إلى فترة ما قبل التاريخ، ما يجعلها معلماً أثرياً مهما وشاهدا على تعاقب الحضارات
على بعد 10 كلم من مدينة الدهماني في محافظة الكاف شمال غربي تونس، تنتصب أطلال موقع ألتيبيروس الأثري لتروي تاريخ مدينة تعاقبت عليها أمم وحضارات.
المكان الذي أصبح الآن يسمى "مدَيْنَة" (تصغير كلمة مدينة)، يعود إلى عهد الإمبراطور الروماني الثاني تيبيريوس (حكم بين عامي 14 و37 م)، وكان ملجأ للعائلات الفينيقية الثرية التي هربت من بطش الرومان.
تبعد ألتيبيروس نحو 190 كلم جنوب غربي العاصمة تونس، وهي قرية نوميدية قديمة أصبحت تحت نفوذ إمبراطورية قرطاج أواخر القرن الثالث قبل الميلاد، وتقع على الطريق الرابطة بين قرطاج وتبسة (الجزائر)، وازدهرت في عهد الإمبراطور الروماني هادريان (حكم بين عامي 117 و138م).
وتدل آثارها، التي تمتد على مساحة تقدر بـ 200 هكتار، على اعتماد التنظيم العمراني منذ العصور الغابرة، وعندما استوطنها الرومان جعلوا منها مدينة كبيرة ومركزا تجاريا مهما.
ويشير عبد الكريم الأبيري، ممثل المعهد الوطني للتراث بالكاف (حكومي)، إلى أن المواقع الأثرية التي تزخر بها المحافظة لعبت دورا اقتصاديا وتاريخيا ومعماريا خلال الحضارات التي تعاقبت عليها، مثل مائدة يوغرطة (بمدينة قلعة سنان الحدودية مع الجزائر، التي تبعد نحو 235 كلم عن العاصمة تونس) والمقابر الجلمودية بمدينة اللاس (165 كلم عن العاصمة تونس) وحمام ملاق، وأهمها وأعرقها الموقع الأثري "ألتيبيروس".
** ازدهار في عهد الامبراطور "هادريان"
ويضيف الأبيري، في تصريح إلى الأناضول، أن مدينة ألتيبيروس منحها الامبراطور هادريان وضعية "بلدية" (وضع قانوني يدل على أهمية المدينة واعتبارها من مدن الإمبراطورية الرومانية) وشهدت على يديه ازدهارا كبيرا.
ويوضح أن "المدينة أصبحت مقر أسقفية بين القرن الرابع والقرن السابع ميلادي، وهُجِرت المدينة بعد ذلك، إذ تحوّل سكانها للإقامة في مدينة "إبة القصور"، وهو الاسم القديم لمدينة الدهماني المجاورة، ما سمح بالاحتفاظ بعدة آثار".
ويردف: "إلى جانب قصص الرحّالة التي تصف مدينة ألتيبيروس، لم يشهد الموقع التاريخي إلا قليلا من الحفريات الأثرية بدأت للمرة الأولى في 1908، قبل أن تتوقف لتُستأنف لاحقا في 1912، وهو العام الذي اكتُشف فيه جزء من المنتدى الروماني وشارع رئيسي وبوابة كبيرة عليها نقش مخصص لهادريان".
ويلفت الأبيري إلى أنه "تحت رعاية المعهد الوطني للتراث في تونس، نفذت فرق إسبانية وإيطالية حفريات في الموقع عامي 2006 و2007، تُوِّجت بنتائج متميزة وإصدار الكثير من البحوث التي تُبيِّن مدى أهمية هذا الثراء الاقتصادي والاجتماعي".
وبعض الحفريات الأخيرة أثبت أنها تعود إلى فترة ما قبل التاريخ، لأن هناك امتداد لمنطقة "المدَيْنَة " (ألتيبيروس) إلى حدود الموقع الأثري في مدينة مكثر في محافظة سليانة المجاورة.
** الإنسان البدائي
ويشير الأبيري إلى وجود "مقابر جلمودية وأدوات من حجر الصوان، ما يدل على وجود الإنسان البدائي، لكون المدينة عرفت حضورا بشريا منذ عصور ما قبل التاريخ".
ويقول: "معالم التاريخ القديم لا تزال قائمة، وعيناك لن ترى على مساحة 200 هكتار إلا آثارا وأطلالا لمدينة رومانية وأخرى لمملكة نوميدية، وهنا كان مسرح يتسع لـ 3000 متفرج لم يبق منه سوى الأسس وبعض العناصر المعمارية، كما أن معبد المياه ما زال شامخاً أمام الساحة الرئيسية للبلدة".
ويتابع: "نجد أيضا مجاري المياه المتنوعة في المدينة المحاطة بسبعة عيون، ويحتوي الحي الأثري على مجموعة من المنازل الأرستقراطية موزعة بتناسق على سفح الهضبة".
** شواهد تعاني النسيان
من جهته، يقول فرحات الخميسي، ناشط في المجتمع المدني بمدينة الكاف: "رغم القيمة التاريخية لمدينة ألتيبيروس التي تعد من أهم وأجمل المدن الأثرية والتاريخية في تونس، فإن المنطقة ما زالت تعاني النسيان، ولم يقع استغلالها وتوظيفها لخدمة السياحة"
واعتبر الخميسي أن استكمال الحفريات وصيانة المنطقة الأثرية من شأنه أن يعيد تسليط الضوء على قيمتها الحضارية، إذ إن تاريخ تأسيس ألتيبيروس تزامن مع تأسيس قرطاج.
ويردف، في حديثه للأناضول: "يمكن للزائر أن يشاهد اليوم الساحة العمومية ومعبد الكابيتول والمنازل والمسرح والأحواض.. وغيرها، وخصوصا اللوحات الفسيفسائيةَ التي بعثرها الزمن ولم تجد أحدا يهتم بتاريخها وأصالتها لتبقى ألتيبوروس منسية ومجهولة طوال عهود".