Istanbul
إسطنبول/ رويدة مينا مرال – علي عثمان قايا/ الأناضول
- بدأ تشييده عام 1598 بأمر من صفية سلطان والدة السلطان محمد الثالث، واكتمل عام 1665 في عهد طرخان خاتون سلطان- يمثل المسجد نموذجًا للعمارة العثمانية الكلاسيكية في مراحلها المتأخرة
- يضم عددًا من المنشآت مثل الضريح والسبيل والنوافير ودار القراء، إضافة إلى "السوق المصري"
**أستاذ تاريخ الفنون التركية والإسلامية في جامعة مرمرة البروفيسور عزيز دوغاناي:
- المساجد السلطانية شكلت محور التخطيط العمراني في المدن العثمانية
- مسجد "يني جامع" واجه عددًا من المصاعب خلال فترة بنائه
- الزخارف تطورت من حيث التصميم، إذ حملت الطابع الكلاسيكي بأنماط جديدة
- الزخارف المرسومة تغطي معظم أسطح المسجد بتصميمات دقيقة وأنيقة تعكس الطابع الروحي لصاحبة المشروع
يُعد مسجد "يني جامع" في منطقة إمينونو بإسطنبول أحد أبرز المعالم المعمارية والتاريخية في المدينة، ويعكس المرحلة المتأخرة من العمارة العثمانية الكلاسيكية، ودور السلطانات في العمارة.
المسجد يلفت الانتباه بكونه استغرق أطول مدة بناء في التاريخ العثماني، حيث بدأ تشييده عام 1598 ولم يُفتتح للعبادة إلا عام 1665.
وفي هذا الجزء من ملف وكالة الأناضول حول "المساجد السلطانية في إسطنبول"، نسلّط الضوء على هذا المعلم التاريخي الذي يقع في قلب المركز التجاري التاريخي للمدينة، ليشكّل مع مجمعه المعماري أحد أبرز عناصر المشهد العمراني العثماني في إسطنبول.
** تاريخ البناء
بدأ بناء المسجد بأمر من صفية سلطان والدة السلطان محمد الثالث عام 1598، حيث وضع أساساته المعماري الرئيسي للدولة آنذاك داود آغا، ولظروف سياسية واقتصادية توقف العمل فيه وتعثر المشروع.
وبعد نحو نصف قرن، أعيد إحياء المشروع في عهد طرخان خاتون سلطان والدة السلطان محمد الرابع، التي أمرت باستكمال البناء. وقد أوكلت مهمة إتمام المسجد إلى المعماري مصطفى آغا، ليُفتتح أخيرًا للعبادة عام 1665.
** عمارة كلاسيكية
ويمثل المسجد نموذجًا للعمارة العثمانية الكلاسيكية في مراحلها المتأخرة، حيث يتميز بنظام قباب متدرج، يتكون من قبة مركزية تدعمها أنصاف قباب، إضافة إلى فناء واسع ومئذنتين تضفيان على البناء حضورًا بصريًا بارزًا.
كما يزدان المسجد من الداخل بزخارف البلاط الإزنيقي والأعمال الرخامية والنقوش الزخرفية المرسومة، وهي عناصر تعكس الذائقة الفنية السائدة في تلك الحقبة.
** مجمع معماري
ولا يقتصر "يني جامع" على كونه مسجدًا للعبادة، بل يشكل مركز مجمع معماري يضم عددًا من المنشآت مثل الضريح والسبيل والنوافير ودار القراء، إضافة إلى "السوق المصري"، الذي بُني لتوفير الموارد المالية للمجمع.
ويقع المسجد على ضفاف القرن الذهبي ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بساحة أمينونو، ما جعله في قلب أكثر مناطق المدينة ازدحامًا وحيوية، كما يعد من أبرز عناصر المشهد العمراني التاريخي لإسطنبول.
واليوم يُعد يني جامع من أشهر دور العبادة في المدينة بفضل موقعه المميز وخصائصه المعمارية، كما يمثل أحد أهم مساجد السلاطين التي تعكس المرحلة المتأخرة من العمارة العثمانية الكلاسيكية.
**مساجد السلاطين
وفي حديثه للأناضول، أوضح أستاذ تاريخ الفنون التركية والإسلامية في جامعة مرمرة البروفيسور عزيز دوغاناي أن المساجد السلطانية شكلت محور التخطيط العمراني في المدن العثمانية.
وأوضح أن السلاطين كانوا يختارون أكثر المواقع ازدحامًا وبروزًا في المدينة لبناء مجمعاتهم المعمارية، ويضعون المسجد في مركزها.
وأشار إلى أن مجمع "يني جامع" كان يضم عددًا كبيرًا من المنشآت الخدمية مثل المكتبات والمرافق الصحية والمطابخ الخيرية والمدارس والخانات والحمامات والقوافل ودار الحديث، موضحًا أن المدينة كانت تتوسع وتنمو حول هذه المجمعات المعمارية.
وأضاف أن الأسواق والتجمعات التجارية كانت تُنظم أيضًا حول المسجد لتلبية احتياجات السكان، بحيث توفر هذه المجمعات مختلف الخدمات التعليمية والاجتماعية والاقتصادية.
وأكد أن هذه المساجد لم تكن مجرد مبانٍ دينية، بل كانت أيضًا وسيلة لإظهار حضور السلطان وسلطته السياسية، فضلًا عن دورها في تعزيز الجانب الخيري والروحي في المجتمع.
** تعثر البناء
وأشار دوغاناي إلى أن المسجد كان يُعرف في البداية باسم "يني والدة جامع"، إذ بدأت صفية سلطان بناءه بعد اعتلاء ابنها السلطان محمد الثالث العرش. إلا أن وفاة السلطان وإرسال والدته إلى القصر القديم أدى إلى توقف المشروع لفترة طويلة.
وأضاف أنه من المعتاد أن يكمل السلطان الجديد المشاريع التي بدأها سلفه، غير أن السلطان أحمد الأول فضّل بناء مسجد يحمل اسمه بدلًا من استكمال مسجد صفية سلطان، وهو ما أدى إلى تشييد مسجد السلطان أحمد قبل إتمام "يني جامع".
**سلسلة من المصاعب
وأوضح دوغاناي أن المسجد واجه عددًا من المصاعب خلال فترة بنائه، إذ توفي المعماري داود آغا بسبب وباء الطاعون، وتولى بعده المعماري دالغتش أحمد آغا المهمة.
وبعد وفاة صفية سلطان توقفت أعمال البناء مرة أخرى لفترة طويلة، كما حاول السلطان مراد الرابع استكمال المشروع، لكنه لم يتمكن بسبب ظروف اقتصادية.
وأضاف أن طرخان خاتون سلطان قررت في ستينيات القرن السابع عشر إعادة إحياء المشروع، بعدما شاهدت المبنى المهجور أثناء تفقدها المنطقة عقب حريق كبير وقع هناك.
وكلفت المعماري مرممتجي مصطفى آغا باستكمال البناء، حيث قام بإزالة الطبقات الحجرية العليا التي تضررت مع مرور الزمن واستأنف العمل حتى إتمام المسجد.
وأشار دوغاناي إلى أن الفترة بين وضع أساس المسجد وافتتاحه بلغت 67 عامًا، وهي أطول مدة بناء لمسجد في التاريخ العثماني.
**تحفة معمارية
وبيّن دوغاناي أن المسجد بدأ تشييده وفق مخطط المعماري داود آغا على أساس العمارة العثمانية الكلاسيكية، وقد استمر البناء وفق هذا التصميم حتى اكتماله، رغم ظهور بعض نقاط الضعف التقنية في مواد البلاط المستخدمة بسبب الظروف الاقتصادية آنذاك.
ومع ذلك، فإن الزخارف تطورت من حيث التصميم، إذ حملت الطابع الكلاسيكي بأنماط جديدة.
وأوضح أن الزخارف المرسومة تغطي معظم أسطح المسجد بتصميمات دقيقة وأنيقة تعكس الطابع الروحي لصاحبة المشروع، مضيفًا أن المحراب المصنوع من الرخام يتميز بأعمدته الركنية وتاجه المقرنص ونقوشه الخطية، إلى جانب زخارف نباتية تمنحه مظهرًا فخمًا.
أما المنبر فقد صُنع من الرخام المنحوت بدقة تشبه الدانتيل، وهو ما دفع دوغاناي إلى وصفه بأنه "العنصر المعماري الذي يمثل السيدة السلطانة بأجمل صورة".
وأشار إلى أن المقصورة السلطانية في المسجد كانت مكانًا خاصًا يصلي فيه السلطان وكبار رجال الدولة، ولذلك جرى تزيينها بعناية خاصة، إذ غُطيت جدرانها بالبلاط الخزفي وزُينت بأعمال خشبية مذهبة وزخارف مرسومة، ما جعلها من أكثر أجزاء المسجد فخامة وإتقانًا.
الأخبار المنشورة على الصفحة الرسمية لوكالة الأناضول، هي اختصار لجزء من الأخبار التي تُعرض للمشتركين عبر نظام تدفق الأخبار (HAS). من أجل الاشتراك لدى الوكالة يُرجى الاتصال بالرابط التالي.
