أنقرة / كوكجه كوجك طوب باش / الأناضول
يتصاعد الضغط على الأسواق العالمية مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، في وقت لم تعد فيه تداعيات الأزمة مقتصرة على النفط والغاز، بل امتدت إلى المواد الخام الاستراتيجية، ما ينذر بتحولها إلى نمط جديد من "حروب التجارة" المرتبطة بسلاسل الإمداد.
ومنذ تصاعد التحركات العسكرية في المنطقة اعتباراً من 28 فبراير/شباط، سجّلت أسواق السلع ارتفاعات ملحوظة في أسعار المعادن الحيوية، التي تُعد مكوّناً أساسياً في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، الأمر الذي عزّز المخاوف بشأن أمن الإمدادات وزاد من هشاشة الأسواق العالمية.
وتدخل هذه المعادن في طيف واسع من الاستخدامات، بدءاً من بطاريات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، وصولاً إلى رقائق الذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية المتطورة، ما يجعلها من الركائز الأساسية في سلاسل الإنتاج العالمية.
وفي 8 أبريل/نيسان الجاري، بدأ سريان وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، عقب جولة مفاوضات استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد، دون التوصل إلى اتفاق نهائي لإنهاء الحرب.
وعقب ذلك، شددت إيران قيود المرور في مضيق هرمز، فيما بدأت الولايات المتحدة فرض حصار على الموانئ الإيرانية والسفن العابرة للمضيق.
والجمعة، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن مضيق هرمز سيكون مفتوحاً بالكامل أمام عبور جميع السفن التجارية، بالتوازي مع بدء وقف إطلاق النار في لبنان الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمدة 10 أيام، عقب مباحثات هاتفية مع الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل أن يُعاد إغلاقه مؤقتاً.
وفي المقابل، أعلنت القوات المسلحة الإيرانية، السبت، إعادة إغلاق مضيق هرمز رداً على ما وصفته باستمرار الحصار البحري الأمريكي.
يُعد حمض الكبريتيك من أهم المواد الكيميائية الصناعية، نظراً لدوره المحوري في فصل المعادن وتنقيتها، إلى جانب استخداماته الواسعة في التعدين والصناعات التحويلية.
ويحتل مضيق هرمز موقعاً حاسماً في إمدادات الكبريت عالمياً، إذ تشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) إلى أن الشرق الأوسط يوفّر نحو 24 بالمئة من الإنتاج العالمي البالغ 83.87 مليون طن متري.
كما يشكّل المضيق ممراً رئيسياً لتدفق الكبريت نحو مراكز المعالجة في آسيا، ما يزيد من تأثير أي اضطرابات فيه على الأسواق العالمية.
ومع اندلاع الأزمة، ارتفعت أسعار الكبريت بنسبة تراوحت بين 10 و15 بالمئة في المرحلة الأولى، قبل أن تتسارع الزيادات مع ارتفاع تكاليف النقل، حيث قفز سعر الطن من نحو 500 دولار إلى ما يقارب 900 دولار في بعض الأسواق عند التسليم، ما يعكس تصاعد الضغوط على التكاليف.
وأدى ذلك إلى زيادة الضغوط في سوق حمض الكبريتيك، مع بروز تأثيرات أوضح في دول مثل إندونيسيا، التي تنتج أكثر من 60 بالمئة من النيكل عالمياً.
وفي تطور لافت، برزت الصين كعامل حاسم في هذه الأزمة، إذ أفادت تقارير إعلامية دولية بأن بكين تستعد لوقف صادرات حمض الكبريتيك اعتباراً من مايو/أيار، في ظل اضطراب إمدادات الكبريت عبر مضيق هرمز.
ويرى خبراء أن هذه الخطوة قد تؤثر بشكل مباشر على سلاسل الإنتاج العالمية، بدءاً من مصانع النيكل في إندونيسيا، مروراً بعمليات النحاس في تشيلي وأفريقيا، وصولاً إلى صناعة الأسمدة عالمياً.
كما يُتوقع أن يؤدي اعتماد إندونيسيا الكبير على واردات الكبريت من الشرق الأوسط، بنسبة تصل إلى 75 بالمئة، إلى تعطل العمليات الإنتاجية، في ظل صعوبة إيجاد مسارات بديلة للإمدادات على المدى القصير.
يمثل حمض الكبريتيك حجر الأساس في عمليات إنتاج النيكل الحديثة، لا سيما النيكل عالي النقاء المستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية.
ويتطلب إنتاج كل طن من النيكل ما بين 8 و10 أطنان من الكبريت، في ظل الحاجة إلى درجات نقاء عالية، ما يحدّ من إمكانية استخدام مواد منخفضة الجودة أو معاد تدويرها، ويجعل القطاع معتمداً بشكل شبه كامل على الإمدادات الأولية.
ويرى خبراء أن القيود الصينية على التصدير، إلى جانب اضطراب الإمدادات عبر هرمز، تمثل عقبة رئيسية أمام طموحات إندونيسيا في التحول إلى مركز عالمي لصناعة البطاريات.
في قطاع الألمنيوم، أسهمت الضغوط الإنتاجية في دول الخليج في زعزعة الأسواق، حيث تشير بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن المنطقة تمثل نحو 9 بالمئة من الإنتاج العالمي الأولي للألمنيوم خارج الصين.
ومع تقييد الشحنات، انعكس القلق في الأسواق على بيانات بورصة لندن للمعادن، حيث تم سحب أكثر من 150 ألف طن من المخزونات بشكل مفاجئ، ما يشير إلى تأثير مباشر على قطاعات البناء والنقل والطاقة المتجددة.
ويؤكد خبراء أن المصانع التي تعتمد بشكل محدود على تكامل المواد الخام تبدو أكثر عرضة لتقلبات الإمدادات القادمة من الخليج.
كما عادت أزمة إمدادات الهيليوم إلى الواجهة، في ظل تعطل سلاسل التوريد العالمية، خاصة مع المشكلات الفنية في منشأة رأس لفان في قطر، التي تؤمّن نحو ثلث الإمدادات العالمية، إلى جانب القيود المرتبطة بمضيق هرمز.
ويُستخدم الهيليوم في تطبيقات حيوية، من بينها تبريد الرقائق الإلكترونية عند درجات حرارة منخفضة جداً، إضافة إلى تشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في القطاع الصحي، ما يجعل أي نقص في إمداداته ذا تأثير مباشر على التكنولوجيا المتقدمة والخدمات الطبية.
وقال المحلل في أسواق المعادن والسلع ومؤسس شركة "ذا أوريغون غروب"، أنطوني ميليفسكي، إن الأزمة في الشرق الأوسط، إلى جانب القيود الصينية، تسببت في خلل واضح في النظام العالمي.
وأوضح أن حمض الكبريتيك يُعد من أهم "المواد العاملة" في الصناعة، لدوره في تفكيك المعادن وتحفيز التفاعلات الكيميائية.
وأشار إلى أنه عنصر أساسي في عمليات الاستخلاص لمعادن مثل النحاس والنيكل والكوبالت واليورانيوم، ولا يمكن الاستغناء عنه اقتصادياً في معالجة الخامات منخفضة الجودة.
وأضاف أن إندونيسيا تُعد من أكثر الدول عرضة لتداعيات نقص الكبريت، موضحاً أن أسعاره ارتفعت بنحو 70 بالمئة مع تعطل المضيق، وأن بعض المصانع لا تملك سوى مخزون يكفي لمدة شهر إلى شهرين، ما يهدد بتوقف الإنتاج سريعاً.
كما أشار إلى أن تأثير الأزمة امتد إلى تشيلي، أكبر منتج للنحاس في العالم، حيث تعتمد نحو 20 بالمئة من عمليات الإنتاج على حمض الكبريتيك، في وقت ارتفعت فيه الأسعار بنسبة 44 بالمئة خلال شهر واحد.
وأكد ميليفسكي أن العالم يشهد تحولاً هيكلياً، مضيفاً: "هذه الأزمة تذكّر بأن العالم لم يعد قادراً على الاعتماد الكامل على سلاسل التوريد العالمية، خاصة مع مرور أكثر من 30 بالمئة من إمدادات الهيليوم وكميات كبيرة من المواد الحيوية عبر مضيق هرمز".
من جهته، حذّر رئيس جمعية عمال المناجم في تركيا، محمد يلماز، من أن أي اضطراب في إمدادات مواد مثل الكبريت وخام الحديد والغرافيت عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى تعطيل الإنتاج في قطاعات تمتد من الزراعة إلى التكنولوجيا المتقدمة.
وأوضح أن الأزمة الحالية تجاوزت مفهوم أمن الطاقة، لتتحول إلى أزمة متعددة الأبعاد في المواد الخام تمس جميع مراحل الإنتاج الصناعي.
وأضاف أن مواد مثل الألمنيوم والغرافيت والكبريت لم تعد مجرد مدخلات عادية، بل أصبحت عناصر حاسمة في التحول الأخضر والأمن الغذائي، ما يجعل تقلب أسعارها مؤثراً بشكل مباشر على اقتصادات الدول.
وأشار إلى بيانات "إس آند بي غلوبال"، التي تفيد بأن التطورات في مضيق هرمز رفعت تكاليف التعدين عالمياً بنسبة 11.3 بالمئة، مدفوعة بارتفاع تكاليف الشحن والوقود.
ولفت يلماز إلى أن اعتماد الصناعة التركية على الواردات الوسيطة بنسبة تقارب 68 بالمئة يجعلها عرضة لتأثيرات الأزمة، إلا أن تزايد البحث عن مصادر قريبة وآمنة قد يفتح نافذة فرص أمام تركيا بفضل إمكاناتها التعدينية.
وختم بالقول إن استمرار الأزمة قد ينعكس سلباً على شهية الاستثمار، إذ يؤدي ارتفاع مستويات عدم اليقين إلى صعوبة تمويل المشاريع الجديدة، مؤكداً أن تسريع الاستثمارات في التنقيب والإنتاج المحلي للمعادن يمثل عاملاً حاسماً لتعزيز الاستقلال الاقتصادي.
يُذكر أنه في 28 فبراير/شباط الماضي، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً على إيران بهدف دفعها للتخلي عن برنامجيها النووي والصاروخي، ما دفع طهران إلى الرد بقصف إسرائيل ومصالح أمريكية في المنطقة، فضلاً عن إغلاق مضيق هرمز الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي وقرابة ثلث صادرات الغاز الطبيعي المسال.
وبعد 40 يوماً من المواجهات، توصلت واشنطن وطهران إلى هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين اعتباراً من 8 أبريل/نيسان الجاري، فيما تتواصل الجهود الدبلوماسية لدفع الطرفين نحو اتفاق دائم ينهي الحرب، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة فرض حصار بحري على إيران للضغط عليها على طاولة المفاوضات.
news_share_descriptionsubscription_contact
