القدس / عبد الرؤوف أرناؤوط / الأناضول
ـ محللون إسرائيليون ذكرون الأسباب التي أوصلت تل أبيب إلى مرحلة ارتكاب مثل هذه المجزرة في رفحلم تتوقف دول العالم عن إدانة مقتل 45 فلسطينيا معظمهم نساء وأطفال إثر قصف إسرائيلي على مخيم للنازحين بمدينة رفح جنوب غزة، مساء الأحد، تلى صدور أمر من محكمة العدل الدولية لتل أبيب بوقف عملياتها العسكرية فورا في المدينة.
وخلافا لأحداث مأساوية مشابهة خلال الحرب، وجدت إسرائيل نفسها عاجزة عن توجيه إصبع الاتهام هذه المرة للفصائل الفلسطينية وتحميلها مسؤولية اندلاع الحريق القاتل الذي نهش مخيم النازحين.
وعليه بدأ المسؤولون في تل أبيب بالبحث عن ثغرات تسمح لهم بالتنصل من الواقعة، أو إيجاد تبريرات مدعومة بإعلان فتح تحقيق في ملابساتها، والاعتراف بأنها " حادث خطير ومأساوي".
واستندت بعض التفسيرات الإسرائيلية والتي أيدها أيضا المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" العبرية عاموس هارئيل، إلى أنه "من المحتمل أن تكون شظية من إحدى القنابل قد انحرفت إلى داخل المكان، ما أدى إلى نشوب حريق كبير هناك".
وبينما يستمر المسؤولون الإسرائيليون في محاولات التبرير والتنصل، رأى هارئيل أن "مقتل مدنيين في رفح قد يجبر تل أبيب على وقف إطلاق النار حتى دون صفقة الرهائن".
وقال في مقاله الثلاثاء: "من المحتمل أن تكون شظية من إحدى القنابل قد انحرفت إلى داخل المخيم، ما أدى إلى نشوب حريق كبير هناك".
ومساء الأحد، قتل 45 فلسطينيا وأصيب 249 آخرون، معظمهم أطفال ونساء، في قصف إسرائيلي استهدف خيام نازحين في منطقة تل السلطان شمال غرب مدينة رفح.
ورغم الانتقادات الدولية والإقليمية التي طالت تل أبيب على خلفية القصف الذي استهدف مخيم النازحين في تل السلطان، عادت الطائرات الإسرائيلية واستهدفت فجر الثلاثاء مناطق في رفح، أسفرت عن مقتل 16 فلسطينيا وإصابة آخرين، وفق تصريحات مصادر طبية في المستشفى الإماراتي غرب رفح للأناضول.
وفي السياق، كتب هارئيل: "خلال الأسبوع الماضي، أصر مسؤولون إسرائيليون كبار على رؤية نصف الكوب الممتلئ في رفح. صحيح أن الولايات المتحدة غير راضية عن عملية الجيش الإسرائيلي في المدينة، لكن ما بعث على الاطمئنان هو أن إسرائيل، بعد مواجهة التهديدات، تمكنت من إجلاء نحو مليون فلسطيني من المدينة، دون صدور فيتو أمريكي ضد دخولها".
لكنه أضافه أنه "في أقل من يوم، قُتل عشرات المدنيين الفلسطينيين نتيجة غارة جوية إسرائيلية، كما قُتل جندي مصري إثر تبادل إطلاق النار بين جندي إسرائيلي والقوات المصرية حول منطقة معبر رفح، وهذا تورط آخر".
واعتبر هارئيل أن أهمية هذه التطورات تأتي من كونها تلت "إصدار محكمة العدل الدولية في لاهاي قرارا صارما ضد إسرائيل الجمعة، بوقف العملية في رفح، دون أن تأمر بوقف العملية العسكرية في جنوب قطاع غزة بأسره".
وتابع: "كما كان متوقعا، فإن الإجلاء القسري لجزء كبير من السكان المدنيين في المدينة لم يحل المشكلة بالكامل. فقد ظلت رفح مكتظة بالسكان، حيث تشير التقديرات إلى أن عدد المتبقين هناك يبلغ نحو 350 ألف شخص".
ونقل هارئيل عن مصادر بالجيش الإسرائيلي لم يسمها، زعمهم أن المخيم في تل السلطان "ليس منطقة آمنة، مثل المواصي، وهي منطقة زراعية قريبة من الساحل، بل هي جزء من حي لم يُطلب من سكانه إخلاؤه".
وتأتي هذه المعلومات التي أوردها هارئيل في مقاله رغم أن الجانب الفلسطيني يؤكد أن المخيم في تل السلطان يقع ضمن المنطقة الأمنة، التي طالبت تل أبيب سكان غزة بالنزوح إليها.
"مجزرة الخيام".. قائمة شهداء #أطفال_غزة تزداد، رغم الإدانات الدولية وقرارات #محكمة_العدل_الدولية، فما الذي تحتاجه #واشنطن لتجعل ضوءها الأخضر لـ #إِسرائيل بقتل الأطفال يتوقف؟https://t.co/HyVVuJwXj4 pic.twitter.com/RijR4DZijM
— Anadolu العربية (@aa_arabic) May 30, 2024
ولاحظ هارئيل في مقاله أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "لم يعرب إلا بعد ظهر الاثنين عن أسفه لما سماه الحادث المأساوي".
وأشار إلى أن نتنياهو أبلغ الكنيست بأن تل أبيب "ستحقق في الظروف واستخلاص النتائج".
وأردف: "خلال الساعات العشرين التي سبقت خطاب نتنياهو تقريبا، لم تكلف أي شخصية سياسية رسمية نفسها عناء التعبير عن أسفها لمقتل مدنيين غير مقاتلين في الهجوم الإسرائيلي، باستثناء مكتب المدعي العام العسكري العام يفعات تومر يروشالمي".
واستدرك: "الأسوأ من ذلك أن أبواقا للحكومة احتفوا بوفاة المدنيين في سلسلة من المنشورات الوحشية على وسائل التواصل الاجتماعي".
وتحت عنوان "الموت في رفح" كتب المحلل الإسرائيلي ناحوم بارنياع في صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، الثلاثاء: "رفح ثقب أسود: المخاطر مؤكدة، والمردود مشكوك فيه".
واعتبر أن قرار دخول القوات الإسرائيلية رفح "كان أمام العالم بأسره في هذا الوقت، مقامرة لم يكن ينبغي اتخاذها"، انطلاقا من ازدحام المدينة بالنازحين من مختلف قطاع غزة بفعل الحرب الدائرة.
وقال: "في هذه المرحلة (من الحرب ودخول رفح) لا يستطيع الجيش أن يقول لماذا اشتعلت النيران في أكواخ قريبة أو لماذا قتل هذا العدد الكبير من المدنيين؟".
وأضاف: "قد تكون الذخيرة قد انفجرت في المباني ربما كان عدد الوفيات أقل مما هو معلن، ومن المحتمل أن تكون المعلومات التي وردت قبل العملية غير دقيقة وأن تقييم الخطر على حياة المدنيين كان غير صحيح. كل هذا مهم لاستخلاص المعلومات العسكرية، وليس له معنى".
وأشار بارنياع إلى التداعيات السلبية للـ"صور الرهيبة التي تدور في جميع أنحاء العالم، إحداها صورة لطفل مقطوع الرأس"، وقال إن هذه الصورة "تدفن تحتها كل التفسيرات المستفادة من المتحدثين الإسرائيليين".
وأردف: "طلبت فرنسا بالفعل عقد اجتماع فوري لمجلس الأمن، بعدما أغرق قرار المحكمة الجنائية الدولية إسرائيل في حفرة سياسية ودبلوماسية، وهذا يعمق الحفرة (التي وقعت فيها تل أبيب جراء دخول رفح) أكثر فأكثر".
ورأى بارنياع أن "مجلس الحرب بكامله مسؤول عن العملية العسكرية في رفح".
وقال: "صحيح أن نتنياهو دفع للعملية لأسبابه الخاصة. لكن هذا لا يعفي وزير الدفاع يوآف غالانت والوزيرين في حكومة الحرب بيني غانتس وغادي آيزنكوت من المسؤولية"، مشيرا إلى أن الثلاثة "يعرفون جيدا ما كنا نقدم عليه (في رفح) ومع ذلك دعموا هذه الخطوة".
وتابع: "يغضب الناس عندما يقال لهم، لقد قلنا لك ذلك، من الأفضل التطلع إلى الأمام: قد تنهي إسرائيل مغامرة رفح دون خيارات عسكرية، وبدون مختطفين، ودون اتفاق في الشمال، ودون صفقة مع السعودية، وأخيرا مقاطعة ودولة مكروهة في العالم".
وفي ختام مقاله، أعرب بارنياع عن أمله أن "تكون الحوادث المؤسفة في رفح هي الأخيرة".
من جهتها، تساءلت صحيفة "معاريف" العبرية "هل سيوقف حادث رفح الحرب؟".
ونقلت عن عاموس جلعاد، الرئيس السابق للقسم السياسي والأمني في وزارة الدفاع، قوله: "المشكلة في رفح ليست العملية نفسها، ولكن ما الهدف من كل ما نقوم به في غزة، أي السياسة، فإذا استعد الجيش الإسرائيلي للسيطرة المباشرة، فإن عبء التعليم والحاجة إلى إعادة تأهيل المنطقة بالكامل سيقع على عاتق ميزانية الدفاع وجنود الجيش الإسرائيلي".
وأضاف: "لدينا بديل وهو الانضمام إلى محور استراتيجي، فإذا كنا نريد هزيمة حماس، فسيكون ذلك على أساس النشاط العسكري والقدرة على إيجاد بدائل للسكان هناك".
وأثارت "مجزرة خيام النازحين" في رفح انتقادات إقليمية ودولية حادة لإسرائيل، مع اتهامات بتحدي قرارات الشرعية الدولية، ودعوات لفرض عقوبات والضغط عليها لإنهاء "الإبادة الجماعية" ووقف الهجوم البري المتواصل على المدينة منذ 6 مايو/ أيار الجاري.
وخلفت الحرب الإسرائيلية على غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أكثر من 117 ألف فلسطيني بين قتيل وجريح، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 10 آلاف مفقود وسط دمار هائل ومجاعة أودت بحياة أطفال ومسنين.
وتواصل إسرائيل الحرب رغم أوامر من محكمة العدل الدولية بوقف الهجوم البري على مدينة رفح (جنوب)، واتخاذ تدابير فورية لمنع وقوع أعمال "إبادة جماعية"، وتحسين الوضع الإنساني بغزة.
كما تتجاهل إسرائيل اعتزام المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات اعتقال دولية بحق رئيس وزرائها ووزير دفاعها لمسؤوليتهما عن "جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية" في غزة.
news_share_descriptionsubscription_contact
