غزة / الأناضول
لم تكد تمرّ أيام على مطالبة الجيش الإسرائيلي أهالي شمال غزة بالمغادرة باتجاه الجنوب للحفاظ على سلامتهم"، حتى بدأت حركة معاكسة تجلّت بالعودة من مناطق النزوح الجنوبية إلى الشمال متحدّين التهديد الأمني الذي بلغ أشدّه.
المئات من الأسر الفلسطينية بدأت بالفعل منذ مساء الأحد 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بالعودة من مناطق جنوب ووسط قطاع غزة التي نزحوا إليها حديثًا هربًا من القصف الإسرائيلي، إلى مدينة غزة ومحافظة الشمال فيها، وشمال قطاع غزة بشكل عام.
الأناضول شهدت على هذه العودة الطوعية رغم استمرار القصف العنيف في الشمال، والتي جاءت كنتيجة مباشرة للأوضاع الأمنية غير المستقرة في الوسط والجنوب أيضًا، فالقصف متواصل في تلك المناطق، حيث قتل عددٌ كبير من النازحين فيها أو أصيب.
يقول مراسل الأناضول، لا توجد إحصائية محددة، لكن العدد يزيد عن الـ150 شهيدا بين النازحين وأكثر من 300 جريح، جميعهم أصيبوا إما خلال نزوحهم على الطرقات، أو في الأماكن التي وصلوا واستقروا فيها.
إضافة إلى الأسباب المذكورة، تأتي حركة النزوح العكسي من جنوب غزة إلى شمالها في اليومين الأخيرين، بسبب عدم توفر أي من متطلبات الحياة في المناطق التي نزحوا إليها.
مراسل الأناضول تحدث مع عدد من العائدين، الذين أوضحوا له أن عودتهم نتيجة طبيعية "في ظل الضغط الموجود على الخدمات في مناطق الوسط والجنوب، حيث لا يوجد مياه ولا كهرباء ولا وقود".
ولاحظت الأناضول أنه حتى بعد قيام إسرائيل بضخّ المياه في تلك المناطق مساء أمس الأحد، إلا أنه بغياب الكهرباء اللازمة لنقل هذه المياه إلى المناطق السكنية، لا فائدة منها فعليا.
* "أفضّل الموت في منزلي"
الفلسطيني نزار عبد الكريم (40 عاما)، وتتكون أسرته من 5 أفراد، قال للأناضول إنهم كانوا يقيمون في منزل في مدينة خانيونس، نزحوا إليه قبل 3 أيام.
يضيف نزار: "عدنا إلى مدينة غزة بسبب قصف مجموعة من المنازل في تلك المنطقة، حيث استُشهد وأصيب عدد من النازحين في منزل بجوارنا".
وأكد نزار أنه مع عائلته لا يستطيعون العيش هناك، ويقول: "فضّلنا العودة إلى منازلنا لأننا هنا ربما نستطيع تدبر أمورنا بما أنه لا يوجد ضغط على الخدمات كما هو الحال في المناطق التي نزحنا إليها".
ويبيّن نزار أن مناطق النزوح "هي مكتظة أصلا ولا تتوفر فيها خدمات كثيرة، كما هو الحال في مدينة غزة باعتبارها مدينة مركزية".
ويؤكد نزار للأناضول: "أفضل الموت في منزلي على الحياة هناك بدون أي من متطلبات الحياة، الأطفال لا يستطيعون النوم هناك بسبب عدم توفر الأغطية والفراش، خاصة مع بدء الأجواء الباردة في القطاع".
وعليه، فقد فضّل العودة إلى منزله مع جميع أفراد أسرته، وأيضا عاد معه أفراد أسرة والده وأشقاؤه.
* "أقمنا مع 50 شخصا في شقة من 60 مترا"!
الفلسطينية سمر عبد الغفور (38 عاما)، أم لـ3 أطفال، عادت مع أسرتها من منطقة دير البلح في وسط قطاع غزة، وهي من المناطق التي من المفترض أنها آمنة وفق ما أعلن الجيش الإسرائيلي عندما دعا إلى النزوح من الشمال.
تقول سمر للأناضول، إن تلك المنطقة "تعرضت لقصف كبير في الأيام الماضية، ونجَونا من عدة غارات إسرائيلية وقعت في المنطقة التي كنا نقيم فيها".
تحدثت سمر عن إصابة أطفالها بحالة من "الرعب والهلع، وبعضهم يعاني من رؤية الكوابيس ليلا" نتيجة ما شاهدوه من أهوال فضلا عن المخاوف التي تلازمهم .
سمر أكدت أنها عادت إلى منزلها لأن ذلك "أفضل بكثير من الحياة هناك في مناطق النزوح في ظروف غير إنسانية على الإطلاق، إضافة إلى عدم توفر الأمان الذي نزحنا بحثًا عنه".
وبحسب سمر، فإن مساحة المنزل الذي كانت تقيم فيه مساحته تقريبا 60 مترا مربعا، ويقيم فيه حوالي 50 شخصا تقريبا، ما يعني أنهم لا يوجد لديهم خصوصية ولا أي متّسع للحياة، إضافة إلى عدم توفر المياه والكهرباء والإنترنت ولا أي شيء من مقومات الحياة الأساسية.
علاوة على ذلك، لفتت سمر إلى أن "المواد الغذائية تكاد تنفد في مناطق جنوب غزة، كما هو الحال في القطاع بشكل عام، لكن الاكتظاظ السكاني هناك أكبر حتى قبل وصول الناحين بعشرات ومئات الآلاف، أما بعد النزوح بحثا عن أمان لم يجدوه، فقد باتت أعداد المقيمين في المنطقة تشكل ضغطًا يفوق قدرة الجنوب على استيعابه.
ويعاني سكان قطاع غزة، وهم نحو 2.2 مليون فلسطيني، الذي قطعت عنه إسرائيل المياه والكهرباء والوقود، من أوضاع معيشية متدهورة للغاية؛ جراء حصار إسرائيلي متواصل منذ أن فازت "حماس" بالانتخابات التشريعية الفلسطينية في 2006.
ولليوم العاشر تكثف الطائرات الإسرائيلية قصفها على غزة، مستهدفة المباني السكنية والمرافق ما أسفر عن مقتل 2750 شخصا وإصابة 9700 آخرين ونزوح جماعي في القطاع، فضلا عن قطع إمدادات المياه والكهرباء والغذاء والمرافق الأساسية الأخرى عن القطاع، بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية.
فيما قتلت حركة "حماس" منذ 7 أكتوبر/ تشرين أول الجاري أكثر من 1300 إسرائيلي وأصابت 3968 وأسرت نحو 200 آخرين، وفقا لمصادر رسمية إسرائيلية.