إبراهيم الخازن/ الأناضول
مصر تسعى، وفق مراقبين، للتأكيد على مواقفها المتوازنة بالسياسة الخارجية حفاظا على مصالحها لاسيما الاقتصادية مع موسكو دون خسارة الحليفة واشنطن.
نبيل ميخائيل: زيارة سامح شكري تتناول تساؤلات مصرية مشروعة حول البرنامج النووي الإيراني وتوقيع واشنطن اتفاقا من عدمه.
مصطفى يوسف: الزيارة تأتي لمطالبة واشنطن بدعم موقف القاهرة في منحها تمويلا دوليا.
حسن هريدي: العلاقات الثانية فيها تحديات حاليا خاصة أنه يراد من مصر أن تكون جزءا من حالة الاستقطاب الدولي بحرب أوكرانيا.
هيمنت ملفات دولية وإقليمية على مجريات لقاءات وزير الخارجية المصري سامح شكري، في زيارته إلى واشنطن التي بدأها الثلاثاء، غير أن دعم الاقتصاد المصري واحتواء التباينات السياسية والحقوقية كانتا أولويتين للقاهرة، وفق مراقبين.
فمقابل هذا الدعم المرجو مصريا في ملف الاقتصاد المتضرر من تداعيات عالمية ناجمة عن أزمة أوكرانيا المندلعة منذ نحو شهرين إضافة لتأثيرات جائحة كورونا، تحركت القاهرة لاحتواء تباينات مع واشنطن متعلقة بأزمتي كييف والملف النووي الإيراني.
وهدفت الزيارة أيضا إلى "تلافي" ملاحظات على الملف الحقوقي بمصر، بحسب أكاديميين ومختصين سياسيين مصريين.
واضطلاعا بدورها المحوري "الذي لا بديل له" في التهدئة بين فلسطين وإسرائيل، وفق مراقبين، ذهبت مصر لواشنطن في توقيت يشهد أوضاعا متوترة بالقدس والضفة الغربية، مع مخاوف من عودة شبح مواجهات مايو/ أيار 2021.
وبالتوازي مع ذلك تتزامن زيارة شكري غير معلنة المدة مع أوضاع اقتصادية مصرية متأثرة بتضرر إمدادات دولية للطاقة والغذاء من أزمة أوكرانيا، الأمر الذي دفع مصر مؤخرا لطلب تمويل من صندوق النقد الدولي.
كما طلبت القاهرة أوائل أبريل/ نيسان الجاري دعما من الاتحاد الأوروبي إلى أن تكللت هذه الجهود بإعلان الاتحاد تقديم 100 مليون يورو، وسط آمال بمساندة من الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري لمصر.
ووفق مراقبين، تتخذ مصر في الملف الأوكراني "موقفا متوازنا" في سياستها الخارجية يحافظ على مصالحها مع روسيا مصدر القمح الأول للقاهرة، برفض العقوبات الاقتصادية والسعي عربيا لحل سلمي.
وبجانب ذلك تحاول مصر عدم خسارة حليف كواشنطن الداعم العسكري البارز لها، من خلال رفضها تدخل موسكو بأوكرانيا كموقف مبدئي.
وتحرص مصر في الملف الإيراني، ألا تشارك في حلف ضد أحد، كما قال شكري قبل أسبوعين بقمة النقب (جنوبي إسرائيل) المعنية بـ"ردع طهران".
كما ذكر لنظيره الأمريكي، أنتوني بلينكن، خلال الزيارة الحالية بأن بلاده "تقيم علاقاتها على أساس الاحترام المتبادل وتفهم خصوصية المجتمعات"، ردا على نقاشات بشأن الملف الحقوقي في مصر، حسب بيان للخارجية المصرية.
وترفض مصر انتقادات محلية ودولية بشأن أوضاع حقوق الإنسان والحريات العامة، وتؤكد عادة دعمها "للحقوق والحريات وسيادة القانون".
وفي هذا الإطار، توقع مصدران للأناضول بألا "تتأثر" علاقات البلدين التي تحل ذكراها المئوية، بأي استقطاب دولي، باعتبار أن مصالحهما أكبر من أي "تباينات"، لحاجة واشنطن للقاهرة بالشرق الأوسط كقوة إقليمية لاسيما في ملف التهدئة بالأراضي الفلسطينية، مقابل حاجة مصر للولايات المتحدة كقوة عظمى بينهما تنسيق وتعاون استراتيجيين.
ما سبق كان ترجمة لأبرز ما جاء في لقاءات ومشاركات شكري بواشنطن، سواء في كلمته خلال حلقة نقاشية بمعهد الشرق الأوسط، التي أكدت أهمية دور مصر بالمنطقة وعلاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة، وفق بيانات للخارجية المصرية.
وكان الملف الاقتصادي حاضرا بحديث شكري عن أهميته بلقاء مع ممثلي الغرفة التجارية الأمريكية، بجانب لقاء روبرت مالي، المبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران، وتبادل الرؤى حول الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط.
ثم التقى شكري خلال الزيارة بنظيره بلينكن في ثاني لقاء خلال أسبوعين بعد قمة النقب، لمناقشة قضايا حقوق الإنسان والاتفاق على مواصلة التنسيق لمواجهة التحديات بالمنطقة.
وشهد لقاء الوزيرين، بحث "الخطوات التالية للبناء على قمة النقب" وتداعيات هجوم روسيا ضد أوكرانيا ودعم إجراء انتخابات ليبية، وتشجيع أمريكي لمصر على "إحراز تقدم في مجال حماية حقوق الإنسان"، وفق بيان للخارجية الأمريكية.
وكانت واشنطن جمدت تمويلا عسكريا للقاهرة بقيمة 130 مليون دولار في سبتمبر/ أيلول 2021، قبل حدوث تطور إيجابي بالعلاقة تمثل بانعقاد الحوار الاستراتيجي المصري الأمريكي في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام ذاته، وذلك لأول مرة منذ 2015.
وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، وافقت الولايات المتحدة على صفقتي سلاح لمصر بأكثر من ملياري دولار، مع التأكيد أن العلاقات الثنائية "ستكون أقوى".
بهذا الصدد، يرى نبيل ميخائيل، الأكاديمي المصري المتخصص في الشؤون الأمريكية المقيم بالولايات المتحدة، "أن زيارة شكري تناولت بشكل رئيسي عدة نقاط هامة، منها تساؤلات مصرية مشروعة حول البرنامج النووي الإيراني، وتوقيع واشنطن اتفاقا من عدمه، وشكل العلاقات المستقبلة بينهما".
ويوضح ميخائيل للأناضول، أن تلك العلاقات "ستعطي تغيرات استراتيجية بالمنطقة، خاصة أن طهران تمثل قضية هامة للأمن القومي المصري، لما لها من علاقات ونفوذ مع تيارات ودول بالمنطقة".
ويتفاوض دبلوماسيون من إيران والولايات المتحدة وخمس دول أخرى منذ أشهر، في العاصمة النمساوية فيينا حول صفقة لإعادة فرض قيود على برامج طهران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فرضها بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق في مايو/ أيار 2018.
وحول الملف الأوكراني، يشير ميخائيل إلى أن "القاهرة تبحث مع واشنطن إذا كان بإمكانها الاستمرار في التعاملات الاقتصادية الهامة مع موسكو، رغم العقوبات الاقتصادية الأوروبية الأمريكية".
وينوه إلى قضايا "ثانوية" تتركز عليها المباحثات مثل الملفات في ليبيا والسودان والأزمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ويؤكد الأكاديمي المصري أن "العلاقات الحالية بين واشنطن والقاهرة لا تشهد تغييرا كبيرا".
وعن الدعم الاقتصادي المرجو مصريا، يضيف أن "شكري سيمهد خلال الزيارة لذلك سياسيا" مضيفا أن "الإدارة الأمريكية ستستمع لتقييم رسمي مصري للوضع الاقتصادي ومشاكله خاصة مع ورادات القمح المتضررة من حرب أوكرانيا وإمكانية تعويضها".
ويتوقع ميخائيل أن تدعم واشنطن طلب القاهرة بالحصول على تمويل من صندق النقد الدولي لتنفيذ مشروعات تنموية
قريبا من هذا الطرح، يقول مصطفى يوسف، مدير المركز الدولي للدراسات التنموية والاستراتيجية (كندا)، إن زيارة شكري تأتي "بسبب حاجة مصرية لمساعدات مالية أمريكية ودعم موقف القاهرة في طلب تمويل من صندوق النقد والبنك الدوليين والمقرضين".
ويتوقع يوسف للأناضول أن "تكون هناك نقاط واضحة من واشنطن بخصوص أهمية انحياز مصر لموقفها في الحرب الأوكرانية ضد روسيا".
ويضيف، "أي كان الموقف المصري من التباينات السياسية، ستؤدي النتائج لفتح واشنطن تسهيلات وقروض لمصر دعما للمصالح الأمريكية في المنطقة عبر بوابة حليفتها القاهرة ونظامها الحاكم".
وبشان تأثير الملف الحقوقي على العلاقات، استبعد يوسف حدوث ذلك، مشيرا إلى أن الإدارة الأمريكية تحاول أن تراضي تيار داخلها بالحديث الدبلوماسي وتتجاوب مع ضغوط أعضاء الكونغرس في هذا الملف سعيا لنيل إجراءات مخففة.
ويرى أن "مصر ستتفهم ذلك وستتجاوب معه دون تغير جذري أو مفصلي بالملف".
من جانبه، قال أحمد سيد أحمد، الخبير المتخصص بالملف الأمريكي، في مركز الأهرام الاستراتيجي (رسمي)، خلال حديث لقناة النيل للأخبار الرسمية المصرية: إن "مصر دولة إقليمية لها دور كبير في الشرق الأوسط".
وأوضح أن "الزيارة تسعى لتدعيم العلاقات الثنائية لاسيما على المستوى الاقتصادي خاصة وأمريكا ثاني أكبر شريك تجاري لمصر بعد الاتحاد الأوروبي، بجانب بحث ارتفاع منسوب التوتر بين فلسطين وإسرائيل".
بينما قال السفير حسن هريدي مساعد وزير الخارجية الأسبق، للمصدر ذاته، إن "العلاقات المصرية الأمريكية لا يمكن أن نطلق عليها توصيفات دون نظر لواقع دولي وإقليمي يمر بمرحلة حرجة مع استقطاب دولي حاد".
وأكد أن "العلاقات فيها تحديات حاليا خاصة أنه يراد من مصر أن تكون جزءا من حالة الاستقطاب الدولي بحرب أوكرانيا".
ويشير هريدي إلى أن "مصر مع كل الدول العربية تلتزم بموقف متوازن وبالحياد الإيجابي وفي نفس الوقت تعمل لوقف إطلاق النار وعدم التصعيد بالعقوبات الاقتصادية والعمليات العسكرية".
news_share_descriptionsubscription_contact
