محمد عابد / الأناضول
شهدت مبيعات الأسلحة حول العالم ارتفاعا ملحوظا في السنوات الأخيرة، يوصف بأنه الأكبر منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن الماضي، حافظت خلالها الولايات المتحدة على حصة الأسد.
فقد أظهرت أحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لبحوث السلام 2017، ارتفاع حجم صادرات السلاح حول العالم بنحو 8.4 %، في الفترة من 2012 إلى 2016، مقارنة بـ 2007 إلى 2011، ليبلغ أكثر من 140 مليار دولار.
كما ارتفعت حصة الولايات المتحدة خلال الفترة ذاتها لتبلغ 33 %، مقارنة بـ 30 % في الأعوام الخمسة السابقة، محققة مبيعات بأكثر من 46 مليار دولار، بحسب المصدر نفسه.
في المقابل، شكلت واردات الشرق الأوسط نحو 29 % من إجمالي حجم تجارة السلاح دوليا، مقارنة بـ 17 % في الفترة السابقة، أي بزيادة بلغت 70.6 %، حازت جلها المملكة العربية السعودية.
وبالرغم من احتفاظها بنحو ثلث حجم تجارة السلاح عالميا، فإن الشركات الأمريكية لا تعول على السوق الدولية قدر اعتمادها على البنتاغون الذي أنفق أكثر من نصف موازنته 2016 ـ 2017 على صفقات
وبرامج تطوير أسلحة مع تلك الشركات، نحو 300 مليار دولار، خصوصا في ظل ارتفاع أسعار منتجاتها مقارنة بنظيراتها الصينية والروسية، ما يعني اعتماد مبيعاتها الدولية على نشاط الخارجية والبيت الأبيض.
إلا أن تلك المبيعات الخارجية، وإن لم تعن الكثير للشركات الأمريكية، خلاف ما تروج له إدارة الرئيس دونالد ترامب، فإنها تشكل حجر الزاوية في مساعي واشنطن الحفاظ على هيمنتها الاستراتيجية والمالية، في عالم يتسارع فيه تشكّل تحالف يهدد نظام القطب الواحد.
فمن الناحية الاستراتيجية، تتهم عدة دول أهمها الصين وروسيا، واشنطن بتبني سياسات الحرب الباردة، من خلال فرض عقوبات اقتصادية تهدف إلى عزل عدد من الدول، وإشعال سباق تسلح في عدة بؤر توتر حول العالم، وخصوصا تلك التي تشكل مصادر لموارد الطاقة، وطرقا لتصديرها إلى الصين، لتحجيم الأخيرة استراتيجيا.
وفي هذا الإطار، فإن عمل واشنطن على فتح أسواق جديدة للسلاح، ودفع حكومات لمضاعفة إنفاقها العسكري، يسيل لعاب كبرى الدول المنتجة، ويجترها لخوض المنافسة، والتورط في المشاركة بالنفخ في كير تلك الأزمات، الأمر الذي يبدو أن دولا أوروبية بدأت تتيقظ له.
فقد أعلنت النرويج مطلع الشهر الجاري، إيقاف صادرات السلاح إلى الإمارات، فيما توافقت أحزاب الائتلاف الحاكم المحتمل في ألمانيا، قبل أيام، على خطوة مشابهة بحق السعودية، كما صدرت مطالب باتخاذ نفس الموقف في دول أخرى، للضغط على الرياض للعمل على إيقاف حرب اليمن، وتخفيف التوتر في الشرق الأوسط.
كما أن صادرات فرنسا تراجعت خلال الفترة المشار إليها سابقا بنحو 5 %، وهي التي تعد أكبر مصدر للسلاح على مستوى أوروبا، والخامسة دوليا، بحسب معهد "ستوكهولم".
وبالرغم من تسجيل الصين أكبر زيادة في تصدير السلاح عالميا بواقع 74 %، إلا أنها تركزت في 3 دول إقليمية، هي باكستان وبنغلادش وميانمار، أي أنها تأتي في إطار صراعها الإقليمي مع الهند، أكبر مستورد للسلاح في العالم، والتي بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل، في السنوات الخمس الأخيرة، بمزاحمة روسيا، وبشكل متسارع ولافت، في مشتريات تسليحها الهائلة.
من جانب آخر، فإن الأزمات التي تخلقها واشنطن، وتسعى في سياقها إلى إشعال حركة استيراد وتصدير السلاح في العالم، تحمل أبعادا اقتصادية تتعلق بالحفاظ على الهيمنة على المنظومة المالية الدولية، كما يشير تقرير لمجلة "ستراتيجك كالتشر" الأمريكية، نشر في 31 ديسمبر / كانون الأول الماضي.
فالدولار الأمريكي بدأ يواجه تحديات حقيقية، تتمثل بسعي الصين وروسيا وغيرهما من دول العالم إلى الاستغناء عنه في تبادلاتها التجارية، وزيادة أهمية عملاتها المحلية دوليا، وإعادة ربط الذهب والنفط، وإنهاء ارتباط الأخير بالدولار، الأمر الذي سينعكس سلبا على العملة الأمريكية، و"وول ستريت" كمركز مالي عالمي، للولايات المتحدة، بحسب التقرير.
وفي هذا السياق، تتخذ واشنطن سياسات صارمة تجاه بكين، مستغلة أزمات بحر الصين الجنوبي وكوريا الشمالية، التي تُتهم الإدارة الأمريكية بالسعي إلى تأجيجها لا حلها، وعرقلة وصول موارد الطاقة إلى الصين، والمنتجات منها إلى الأسواق العالمية، كما سبقت الإشارة، وفرض عقوبات على دول تشكل أسواقا مهمة لها، مثل كوريا الشمالية وإيران وروسيا، خصوصا في الوقت الذي تواجه فيه الأخيرة أزمات سياسية وعسكرية، جراء حروب سوريا وأوكرانيا (التي أججتها سياسات واشنطن أيضا)، وأخرى اقتصادية جراء تهاوي أسعار النفط.
وفي ظل مواجهة أمريكا أزمة تراكم الديون الحكومية، وعجزا في الموازنة الفدرالية والميزان التجاري، فإنها تحتاج إلى المزيد من القروض، ولكن بفوائد منخفضة وآجال سداد بعيدة، الأمر الذي يتطلب في المقابل خلق حاجة "وجودية" لدول غنية حول العالم بربط مصيرها بالتحالف الاقتصادي والعسكري مع واشنطن، وهنا يتكرر الحديث مجددا عن خلق أزمات سياسية وعسكرية وأمنية دولية.
ولفت تقرير "ستراتيجك كالتشر" إلى أن الحرب ذات الأبعاد المالية تلك بدأت عام 2005، وأخذت بالتوسع منذ ذلك الحين، بالتوازي مع تباطؤ نمو الاقتصاد المعتمد على الصناعة في الولايات المتحدة، "المكلف" والبطيء بطبعه، مقابل تسارعه في دول أخرى تمتلك موارد بشرية أو طبيعية أو جيو ـ اقتصادية أكبر.
من جانبها، نقلت مجلة "ديلي بيكونينغ" المالية، في تقرير نشرته منتصف أكتوبر / تشرين الأول 2016، تصريحا للجنرال "مايكل هايدن"، المدير السابق لكل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، ووكالة الأمن القومي، قال فيه إن تلك الحرب ستشكل الطابع الأبرز للقرن الحادي والعشرين، وإن "ذخائرها" ستتمثل بالعقوبات الاقتصادية القائمة على أساس الاستفزازات والتوترات الإقليمية بين مختلف الدول.
ووفقا لذلك، فإن العقوبات ستعمل على تحجيم القوى التي يمكن أن تنافس واشنطن، اقتصاديا أو استراتيجيا، فيما سيتكفل شره الدول الغربية و"الديمقراطية" الأخرى، لجني بعض الأموال من تلك الأزمات، بالتغطية على الممارسات الأمريكية المدمرة، والحفاظ، في المحصلة، على هيمنة الولايات المتحدة وتفوقها لعقود قادمة.
news_share_descriptionsubscription_contact
