طرابلس/ أسامة علي/ الأناضول
رغم مضي 5 أشهر على انطلاق عملية "البنيان المرصوص"، التابعة لحكومة الوفاق الوطني الليبية، في مدينة سرت (شمال وسط) لتحريرها من قبضة ضد تنظيم "داعش" وتحقيقها في بادئ الأمر تقدما سريعا إلا أنه تراجع في الفترة الأخيرة وتوقف عند منطقة ضيقة أقصى شمال المدينة لا تتعدى الثلاثة كيلومترات.
أثار هذا التراجع التساؤل حول أسباب تأخر حسم تلك المعركة رغم تحرير معظم المدينة من "داعش"، وهو ما أرجعه مسؤول في العملية إلى سبب عسكري يتعلق باستخدام التنظيم للمدنيين كدروع بشرية بالإضافة إلى المفخخات والقنابل المزروعة ما يحتاج إلى قدرات معينة، وهي أسباب لم تكن مقنعة لآخرين اعتبروا أن الأمر مرتبط بعوامل أخرى من بينها الغموض حول مصير المجموعات المسلحة المشاركة والجهة التي ستحكم المدينة عقب تحريرها والخوف من التواجد العسكري للقوات الموالية لمجلس نواب "طبرق" (شرق).
وأطلق مسمى "البنيان المرصوص" على عملية عسكرية أطلقتها قوات المجلس العسكري لمدينة مصراتة (غرب) ردا على تقدم مفاجئ لمقاتلي تنظيم "داعش" باتجاه الغرب في الثاني من مايو/ أيار الماضي وصولا إلى منطقة السدادة ( 9 كم جنوب شرق المدينة) قبل أن يشرعنها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق في العاشر من مايو ويعلن عن قراره بتعيين ضباط وعسكريين لقيادتها.
وخلال الشهر نفسه استطاعت قوات "البنيان المرصوص"، التي انضم لها فيما بعد مقاتلين من مختلف مناطق ليبيا، من تحرير مناطق "السدادة" و"الوشكة" و"بويرات الحسون" و"بوقرين" غربي سرت ، لتبدأ منذ مطلع يونيو/ حزيران حصار "داعش" من عدة محاور داخل المدينة، والذي تهاوى سريعا حيث فقد سيطرته على عديد المناطق الحيوية مثل المطار ومحطة الكهرباء الرئيسية وقاعدة القرضابية العسكرية جنوبي المدينة وعديد من الاحياء الأخرى وصولا إلى حي "700" وسط المدينة.
وخلال شهر يوليو/تموز تراجعت وتيرة سرعة المعارك بشكل كبير فلم يسجل في هذا الشهر تقدم ملحوظا، وعللت قيادة "البنيان المرصوص" أن عجزها عن التقدم بسبب وقوع المعارك داخل الأحياء السكنية بالمدينة مما يتطلب قدرات عسكرية أكثر دقة وهو ما لا تمتلكه.
وفي مطلع أغسطس/ أب أعلن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق "فايز السراج" عن استعانته بسلاح الجو الأمريكي لدعم قوات "البنيان المرصوص" بضربات جوية تمكنها من التقدم أكثر ولتقليل الخسائر البشرية، وخلال هذا الشهر حققت القوات الحكومية انتصارات كبيرة حيث تمت السيطرة على الميناء وعلى مقرات الجامعة والجيزة العسكرية ومقر الإذاعة التابعة لـ"داعش" ومستشفى ابن سينا بالإضافة لقاعات "واغادوغو" التي تعتبر المقر الرئيسي للتنظيم، كما سقط أيضا الحي الأول والثاني وجزء كبير من الحي الثالث.
ومنذ مطلع سبتمبر/أيلول انحصر القتال حول الرقعة التي يسيطر عليها "داعش" وهي حي الجيزة البحرية أقصى شمالي المدينة المنقسم إلى جزأين (مساكن شعبية تعرف بالكامبو وعمارات سكنية حديثة) دون أن تتمكن "البنيان المرصوص" من حسم المعركة رغم أن الحي لا تتجاوز مساحته الثلاث كيلومترات.
وعلل المتحدث باسم عملية "البينان المرصوص"، محمد الغصري، تأخر اقتحام آخر معاقل "داعش" بتحصن التنظيم داخل مزارع كثيفة من الألغام المحيطة بمعقله الأخير كما أنه يتخذ الكثير من الأسرى المدنيين درعا بشريا يتحصن خلفه.
وقال الغصري للأناضول: "سلاحنا الجوي يقصف الأهداف حول هذا المعقل لكننا نعتمد على سلاح الجو الأمريكي في قصف الأهداف داخل المعقل لدقته حتى لا نصيب مدنيين أو أسر"، مضيفا أن "المعارك في السابق كانت في مساحات مفتوحة أما الآن انحصرت في منطقة صغيرة مكتظة بالمساكن ونعلم أن داعش يستميت ومستعد ينتحر بشكل جماعي قبل أن يفقدها".
وتابع: "كل يوم نفقد أرواحا مما حتم علينا مراجعة خططنا العسكرية بتروي"، متسائلا: "لماذا نستعجل ونحن واثقين من النصر وتحرير كامل المدينة فأرواح جنودنا عزيزة".
وكشف عن جزء من إستراتيجية المعركة، قائلا: "نعول على تهاوى ما تبقى من عناصر داعش من داخلها فهي محاصرة تماما ولا يصلها الإمداد العسكري ولا المؤن ولا الغذاء مع استمرار القصف الجوي المكثف ويوما ما ربما نقتحم هذا الحي دون قتال".
وتابع: "نعتقد أنه لو حسمت المعركة سوف يعود كثير من المقاتلين لاسيما المتطوعين منهم وهم كثر وعندها من سيواجه خطر القوات الموالية لمجلس النواب في طبرق (شرق) بقيادة المشير خليفة حفتر التي ترابط غير بعيد بمنطقة هراوة" (90 كم شرق سرت).
وأشار إلى أن "داعش الآن لا يتجاوز مقاتليها أكثر من 100 لكنهم لن يسلموا الحي بسهولة فهناك نساء تشترك في القتال وحتى مبتوري الأطراف نعلم أنهم جاهزون لتفخيخ أنفسهم والانتحار ولن يتوانوا حتى عن تفخيخ أطفالهم وقتل المدنيين المختطفين الذين نقلوا إلى سجن داخل الحي".
لكنه استدرك قائلا: "السيطرة على هذا الحي في أي لحظة لا يعني إعلان تحرير المدينة فهناك الكثير مما يجب علينا فعله فعمليات التمشيط في بعض الاحياء مستمرة لنزع وتفكيك الألغام وهناك سرايا تطارد فلولا تأتي من الجنوب عبر الطرقات الصحراوية بين الحين والآخر في محاولة لضرب صفوفنا الخلفية فإعلان التحرير قد يتأخر قليلا".
ورغم أن هذه الأسباب قد تبدو مقبولة عسكريا، إلا أن أسباب سياسية أيضا قد تبدو وراء حسم المعركة في غمار اختلاط القرار السياسي بالعسكري في بلد يعاني انقسامات كبيرة منذ أكثر من عامين واتفاق سياسي بات شبه عاجز عن تحقيق الوفاق المنشود.
فلم يخف أحد قادة المعركة الميدانيين امتعاضه من وجود اسم المجلس الرئاسي راعيا للمعركة، فالمجلس الرئاسي لم يقدم عونا أو دعما للمعارك واكتفى بالبيانات والخطب واستثمار جهود المقاتلين في تحقيق مكاسب سياسية.
وقال القيادي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، للأناضول إن "الكتائب التي تشارك في المعركة لا تتبع المجلس الرئاسي سوى اسما بل كثيرا ما دخلت معارك دون إذن أو علم من قيادة العملية مما سبب سقوط الكثير من الضحايا الذين لم نعد نجد لهم مكانا بالمستشفى الوحيد في مصراته فنضطر في الكثير من الأحيان لوقف القتال حتى يخرج المصابين من المستشفى إما يعودون للمعركة أو يتم تسفيرهم للخارج للعلاج".
وكشف القيادي أنه "بدخول سلاح الجو الأمريكي على خط المعركة بدأت قرارات مشبوهة تصدرها قيادة العملية لوقف التقدم بحجة إفساح المجال للضربات الجوية".
ولفت إلى أن "هناك من هو مستفيد من استمرار المعركة وعدم حسمها ففاتورة الحرب مفتوحة من قبل الدولة التي تدفع الملايين لشركات العلاج والدعم اللوجستي وغيرها وحسم المعركة يعني إغلاق هذه الفاتورة".
ويتفق فتحي بالعون، صحفي ليبي مستقل، مع هذه الأسباب معتبرا أن الأمر لم يعد مرتبط بمكاسب سياسية للمجلس الرئاسي فقط بل بالجانب الأمريكي الذي وافق على الدخول على خط المعركة فجأة.
وقال بالعون في حديث للأناضول: "نعم المجلس الرئاسي حسن من صورته بشكل كبير من خلال نتائج هذه المعركة والانتصارات السريعة فيها على الصعيد الدولي لكن الولايات المتحدة التي تعالج قيادتها الديمقراطية أزماتها وإخفاقاتها خلال المدة الماضية في الانتخابات الأمريكية مستفيدة أيضا من استمرارها في المعركة".
وأضاف بالعون أن "هناك الكثير من المسائل الحساسة المرتبطة بنهاية المعركة بالنسبة للمجلس الرئاسي وبالنسبة أيضا لداعميه الدوليين وعلى رأسها مصير المقاتلين والمجموعات المسلحة بهذه المعركة بعد نهايتها إلى أين سيذهبون".
وتابع: "بكل تأكيد أغلبها سوف ترجع لمواقعها لاسيما كتائب مصراته التي تمتلك مواقع عسكرية مهمة في طرابلس وعودتها هناك أمر غير مرغوب فيه من كتائب أخرى بطرابلس وحدوث الصدام أمر مرجح".
وأردف أن "مسائل أخرى مرتبطة بالوضع الاجتماعي بسرت فحتى اللحظة لم يثبت من خلال الأسرى والقتلى المعلن عنهم وجود كبير لمقاتلين محليين فأغلبهم أجانب ومن جنسيات إفريقية مما يعني وجود حاضنة اجتماعية سهلت تأسيس التنظيم بالمدينة والإجابة عن حال هذه الحاضنة ليس سهلا ولا عن أسباب تسهيلها لوجود التنظيم أيضا".
واعتبر بالعون أنه "من الواضح أن إعلان التحرير والحسم لن يكون قريبا فالمجلس الرئاسي ولا القوات المتواجدة في سرت تحدثت حتى الآن عن الجهة التي ستحكم المدينة عقب نهاية المعركة وممن سوف تتألف الكتائب التي ستتولى تأمينها".
ورأى أن اقتراب القوات الموالية للفريق خليفة حفتر من مدينة "سرت" وعدم حسم الخلاف بينه وبين المجلس الرئاسي يعد هاجسا آخر يجعل من (ميليشيات) مصراته تحافظ على وجود قواتها بسرت كسد وحاجز أمام ربما رغباته في التقدم غربا".
news_share_descriptionsubscription_contact
