06 أبريل 2018•تحديث: 06 أبريل 2018
إسطنبول/ رائد الحامد/ الأناضول
منذ الغزو متعدد الجنسيات للعراق عام 2003، ظلّت الفصائل والكيانات الشيعية المدعومة من إيران مصدراً لإثارة العنف والاضطرابات، كرد فعلٍ على تهميشها آنذاك.
ومن المرجح أن تستخدم إيران ما لديها من نفوذ لدى المجموعات الشيعية المسلحة (الميليشيات) لتحقيق مكاسب جديدة في الانتخابات المقبلة، سواء عن طريق الدفع بتلك القيادات إلى صدارة المشهد السياسي، أو زيادة نفوذها في مراكز القرار.
بالعودة إلى الأسس التي بُنيت عليها العملية السياسية بعد غزو العراق، تمّ احتساب النسب التمثيلية على أسس محاصصات طائفية وعرقية لا تعكس واقع تركيبة المجتمع.
فقد تَمّ احتساب العرب السُنّة كمكون طائفي مستقل عن العرب الشيعة، وذلك لتحديد التمثيل القومي للعرب في العراق مقابل المكون الكردي؛ وتمّ احتساب الشيعة العرب كمكونٍ طائفي فقط، وليس كمكون قومي عربي إلى جانب العرب السُنّة.
كما لمْ يتم احتساب النسب التمثيلية على حساب طائفي، بحيث يكون مثلا السُنّة من العرب والأكراد والتركمان في مقابل الشيعة من العرب ومن معهم من الشيعة من الأكراد والتركمان.
لذلك "قد" لا تعني نتائج الانتخابات الكثير للعرب السُنّة والأكراد في شمال العراق والمكونات الأقل نسبة في عدد السكان، طالما افتقرت هذه المكونات إلى العدد الكافي من الكيانات السياسية القادرة على الحد من هيمنة الأحزاب والكيانات السياسية الشيعية على مجلس النواب والتحكم في التشريعات والقرار التنفيذي.
في الواقع، لا تخضع عملية توزيع الرئاسات الثلاث (الجمهورية والوزراء والبرلمان) لنتائج الانتخابات، بعد أن وُضعت في سياق "تفاهمات" أشرفت عليها سلطة الحاكم المدني السفير بول بريمر، بتخصيص المنصب التنفيذي للشيعة والمنصب الرئاسي "الشرفي" للأكراد، فيما تمّ تخصيص المنصب التشريعي للعرب السُنّة، وهو منصب "شبه شرفي".
ولرؤية حالة وطنية تحقق الأمن والاستقرار لابد من اعتبار العرب السُنّة والأكراد شركاء أصلاء في الحكم، وليس مجرد مشاركين فيه.
ومع أن "البيت الشيعي" على المستوى الاجتماعي ليس موحداً في صفٍ واحد خلافاً لدورات انتخابية سابقة، لكنّه في عمومه يلتقي على "وجوب" الفوز في الانتخابات لكتلٍ سياسية شيعية متنفذة، سواء في المجموعات الشيعية المسلحة (الميليشيات) أو في فصائل الحشد الشعبي، وكلا الفريقين يتلقى دعماً من إيران ويدين لها بالولاء.
وتحاول بعض الكيانات السياسية الشيعية، مثل التيار الصدري، التخندق بعيداً عن الطائفية من خلال تحالفات مع كيانات "علمانية"، والظهور بمظهر أكثر استقلالية عن النفوذ الإيراني للتخفيف من حدة التوترات الطائفية والانقسامات المجتمعية.
وليس ثمّة ما يُشير إلى احتمال فوزها في الانتخابات المقبلة طالما أن القاعدة الشعبية التي تستند إليها الكيانات محكومة بالخطاب الطائفي، الذي عززه سيطرة تنظيم داعش على الموصل واقترابه من بغداد وتهديده السلطة الشيعية.
وتُبدي كيانات سياسية يقودها مقتدى الصدر وحيدر العبادي وعمار الحكيم، إضافةً إلى العرب السُنّة والأكراد، رغبتها في الابتعاد عن البيئة السياسية الطائفية من خلال معارضتها عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي أقرّت الولايات المتحدة على لسان الرئيس السابق باراك أوباما، انتهاجه نهجا طائفيا وعلاقات وثيقة مع إيران.
من المبكر في ظل التقلبات غير"المحسوبة" في التحالفات التنبؤ بظهور كيان سياسي عابر للطائفية، يتشكل من شيعة معارضين لنهج نوري المالكي وعرب سُنّة وأكراد وآخرين.
ولا يبدو ثمة احتمال لتخلي إيران عن التأثير في مجريات عملية الانتخابات والضغط تجاه فوز القوى الحليفة لها، مثل كتلتي نوري المالكي وهادي العامري.
وفي حال فشل حلفاء إيران في الوصول إلى رئاسة الوزراء فإنها ستمارس المزيد من الضغوط على الكيان الفائز من خلال الأجنحة السياسية لفصائل الحشد الشعبي الحليفة لها.
ووفقاً لقانون الأحزاب، لا يحق للكتل أو الأحزاب السياسية التي تملك جناحاً عسكرياً، خوض الانتخابات التشريعية.
وعليه، اتخذت بعض فصائل الحشد قراراً "شكلياً" بحل أجنحتها العسكرية والدخول في الانتخابات بأجنحتها السياسية، مثل منظمة بدر وعصائب أهل الحق، وسرايا الخراساني وغيرها من الجماعات التي أدانتها منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان على خلفية ارتكابها جرائم حرب خلال عمليات استعادة المدن من تنظيم داعش.
يمكن القول، إن دخول الفصائل المتنفذة من الحشد الشعبي في الانتخابات المقبلة سيعطي زخما للمسار الطائفي، بشكلٍ يعزز الإقصاء والتهميش للمكونات الأخرى.
ومع واقع السلوك الطائفي لفصائل الحشد، وتحالفها العميق مع إيران، فشل رئيس الوزراء في منعها من التنافس في الانتخابات المقبلة، إلى الحد الذي يُقلص من احتمالات فوزه أمام منافسيه.
سيفرضُ تحول فصائل الحشد إلى كيانات سياسية، على رئيس الوزراء القادم التعايش مع قدرة هذه الفصائل على فرض إرادتها في الملفات السياسية والأمنية؛ وستكون لتلك الفصائل القدرة على توظيف السلطة لصالحها من داخل الحكومة الجديدة سواء فازت الأجنحة السياسية لتلك الفصائل أم لم تفز.
وسبق لرئيس الوزراء حيدر العبادي أن نكث بوعوده للعرب السُنّة بإجراء إصلاحات جذرية في العملية السياسية مقابل إشراكهم في تشكيل حكومته في أغسطس/آب 2014 بعد سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل وأجزاء واسعة من المحافظات السنية.
ومع احتمالات "غير أكيدة" لفوزه ثانية بمنصب رئيس الوزراء تبقى احتمالات إجراء الإصلاحات السياسية للخروج من الحالة الطائفية محدودة في ظل بيئة سياسية متداخلة.
..........
الصحفي رائد الحامد، باحث متخصص في تحولات المجتمع السنّي في العراق.
..........
الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لوكالة الأناضول.