رائد الحامد/ الأناضول
الانتخابات التي شهدها العراق في 12 مايو/أيار 2018، الرابعة بعد إقرار الدستور الدائم في 2005، والأولى بعد إعلان "النصر" في ديسمبر/كانون الأول 2017، في الحرب التي خاضتها القوات العراقية على تنظيم "داعش" الإرهابي، بإسنادٍ دولي واسع، ومشاركةٍ فاعلة للحشد الشعبي، لا غنى عنها لتحقيق "النصر"، بقيادة القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي، رئيس قائمة "ائتلاف النصر".
احتلت قائمة "سائرون"، التي يقودها رئيس التيار الصدري، مقتدى الصدر، المرتبة الأولى بواقع 54 مقعدا، من أصل 329 مقعدا؛ وجاءت في المرتبة الثانية قائمة "الفتح"، التي يقودها القيادي في الحشد الشعبي، الحليف الأوثق لإيران، هادي العامري، بـ 47 مقعدا.
في حين حلّت قائمة "النصر"، التي يقودها رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي يحاول الموازنة بين رضا إيران عليه ورضا الولايات المتحدة، في المرتبة الثالثة لتشغل 42 مقعدا.
أما قائمة دولة القانون، التي يرأسها نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، الحليف هو الآخر لإيران، فحلّت في المرتبة الرابعة بحصولها على 26 مقعدا فقط، مقابل 90 مقعدا في الانتخابات التشريعية السابقة في 2014.
تُعد قائمة "سائرون"، الأعلى صوتا في تبني خطاب "وطني عروبي"، وفي الحديث عن "العبور" فوق الطائفية وتجاوزها لتسويق نفسها أمام الناخبين؛ لكنّ سائرون، لمْ تحصل على أيّ مقعد من مقاعد البرلمان في جميع المحافظات السُنيّة، وكذلك المحافظات الكردية.
في حين كان ثقل "سائرون"، الأساسي والمقاعد التي حصلت عليها "فقط" من المحافظات الشيعية، في وسط وجنوبي العراق، إلى جانب أصوات الناخبين في مدينة الصدر، في أطراف العاصمة، وهي المعقل التقليدي مُنذ عقود لأتباع المرجع محمد صادق الصدر، والد مقتدى الصدر.
وتتناقض رؤية الكتل الفائزة فيما يتعلق بالموقف من إيران والشراكة معها والحفاظ على نفوذها في العراق؛ وتتصدر قائمة الفتح، القوائم الحليفة لإيران، والتي تستند إلى عمقٍ مؤثرٍ تفتقرُ إليه معظم القوائم والكيانات الأخرى التي لا تحظى بأجنحةٍ مسلحةٍ رديفةٍ لأجنحتها السياسية.
وتضم قائمة الفتح، تحالفا واسعا لأجنحةٍ سياسيةٍ تابعة لفصائل الحشد الشعبي، معروفة بولائها للسياسات الإيرانية وتمتاز بقوتها التسليحية، وتنظيم شبيه بالجيوش شبه النظامية، التي تتخوف الكيانات الأخرى من قدراتها على فرض عملية سياسية منسجمة مع الرؤية والشروط الإيرانية مستقبلا.
ومن بين نحو 71 فصيلا يشكلون قوات الحشد الشعبي، هناك 41 فصيلا منها أعلنت بشكلٍ رسمي "بيعتها الشرعية" للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
بنت الولايات المتحدة والدول الحليفة لها آمالا على فوز ائتلاف النصر، وتسمية العبادي، لولايةٍ رئاسيةٍ ثانية؛ لكنّ ذلك لا يبدو قد تحقق، بعد صعود ائتلاف سائرون، الذي يقوده التيار الصدري القريب إلى حدٍ ما من التوجهات الإقليمية الراغبة بجر العراق بعيدا عن النفوذ الإيراني، و"المناهض" في نفس الوقت للوجود الأمريكي في العراق، غير أنّ المتحدث باسم التيار الصدري أكد احترام الاتفاقيات الدولية، بما فيها الخاصة بالوجود الأمريكي لتدريب القوات العراقية.
طيلة خمسة عشر عاما بعد غزو العراق، لمْ يصدر بيان أو تصريح رسمي من التيار الصدري، أو قائده مقتدى الصدر، ينتقد فيه سلوك إيران، وتدخلها في شؤون البلاد الداخلية، ورعايتها للميليشيات الشيعية المتهمة من منظماتٍ معنيةٍ بحقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وغيرهما، بارتكاب انتهاكات ترقى إلى "جرائم حرب" طالت سكان عرب سُنّة على الرغم من علوّ صوت خطاب مقتدى الصدر برفض الانتهاكات التي يتعرض لها العرب السُنّة من قبل ميليشيات أخرى، مثل عصائب أهل الحق، التي انشقت عن جيش المهدي، الذي كان يقوده مقتدى الصدر.
لذلك، لا يمكن الركون لخطاب التيار الصدري دون وقفة عند خلفياته ودوافعه في ما يتعلق بموقفه من إيران وتدخلها "الضار"، أو موقفه من الانتهاكات التي تعرض لها العرب السُنّة من ميليشيات انشقت عن جيش المهدي، أو حتى الانتهاكات الموثقة بإحراق جيش المهدي لنحو 200 مسجدٍ سُنّي، وقتل نحو 3 آلاف شخص من العرب السُنّة ببغداد وحدها يومي 22 و23 فبراير/شباط 2006، بعد ساعاتٍ من تفجير مرقدي سامراء.
وحيثما يُثار الحديث عن "مدنية" ولا طائفية قائمة سائرون، وأنّها قائمةٌ عابرةٌ للطائفية والعرقية والمحاصصات فإنّ هذا لا يعدو كونه خطابا لا يؤيده واقع أنّ التيار الصدري، المُمثَل بقائمة سائرون، الذي لم يحصل على أيّ مقعدٍ من أصوات الأكراد، أو من العرب السُنّة، على العكس من قائمة النصر، التي يقودها حيدر العبادي، التي حصلت على المرتبة الأولى في محافظة نينوى.
ستسعى إيران، خلال فترة مفاوضات تشكيل الكتلة النيابية الأكبر بشكلٍ ما، إلى إعادة هيكلة "البيت الشيعي" على أسس جديدة، لتجاوز حالة الصراعات البينية، وتعارض السياسات وتناقض مصالح مكوناته السياسية وتعدد الولاءات، والسعي لضمان ولاء أغلب الكيانات الشيعية لسياساتها، وعدم الإفلات باتجاه جهودٍ عربية تقودها السعودية، لسحب أكبر مساحة من نفوذ إيران في العراق للعراقيين أولا ثم لمحيطهم العربي، أو نحو الولايات المتحدة التي تخوض تنافسا على النفوذ مع طهران طيلة سنواتٍ دون صدام بينهما، بل توافق أو ما يُشبه لقاء الضرورة، خاصةً في السنوات الأخيرة للحرب المشتركة على "داعش".
إلى جانب الولايات المتحدة وإيران، أظهرت المملكة العربية السعودية، اهتماما استثنائيا بالانتخابات على أمل الدفع باتجاه تدعيم الأصوات الرافضة للتدخل والنفوذ الإيراني من الشيعة "العروبيين"، والرهان عليهم مُمثَلون بالتيار الصدري، الذي يقود قائمة سائرون في محاولةٍ لخلق حالة توازن في مواجهة النفوذ الإيراني وليس بالضرورة أنْ يضاهيه في المرحلة الراهنة، لكنّه خطوة على طريق تآكل الجرف الإيراني لصالح الجرف العربي، كما يعتقدون.
ولا يبدو ذلك متاحا في المرحلة الراهنة لعدم وجود قوة حقيقة رافضة فعلا للنفوذ الإيراني من الشيعة العرب، بما فيهم التيار الصدري الذي تراهن عليه المملكة.
ثمّة تناقضات وعراقيل ستواجه تحالفي سائرون والنصر مستقبلا، لتعارض مواقف الدول الإقليمية المعنية بشأن الانتخابات مثل السعودية التي تدفع باتجاه إبعاد التحالفات المحسوبة على إيران، مثل التحالف "المحتمل" شبه المؤكد بين دولة القانون والفتح، وهو ذات موقف الولايات المتحدة التي ستختلف مع السعودية فيما يتعلق بدعم تحالف سائرون، الذي يمتلك جناحاً عسكريا يعرف باسم "سرايا السلام"، أحد فصائل الحشد الشعبي، وهي امتداد لجيش المهدي، الذي دخل في مواجهات مع الولايات المتحدة.
لذلك، سيكون لزاما على التحالف الذي يريد تشكيل الحكومة المقبلة عقد تحالفات مع كياناتٍ سياسيةٍ مغايرةٍ عرقيا أو طائفيا، أو كياناتٍ سياسيةٍ من ذات الطائفة تختلف معها سياسيا وتتنافس معها على السلطة والنفوذ في مراكز القرار.
يمكن لقائمة سائرون، أنْ تلتقي مع الجميع باستثناء تحالف متوقع لقائمتي الفتح ودولة القانون، بما لديهما من أصواتٍ لوحدهما تصل إلى 73 صوتا دون تحالفاتٍ مع كتل وكيانات أخرى.
ستتخلى قائمة سائرون عن الكثير من خطابها المُعتَمد في برنامجها الانتخابي للدخول في تحالفاتٍ تؤهلها للوصول إلى عتبة 165 مقعدا لتشكيل الكتلة النيابية الأكبر.
ولم تحصد قائمة سائرون، من برنامجها الانتخابي أيّ أصوات إضافية قياسا إلى نتائج انتخابات 2014، لكنّ المقاطعة الواسعة للانتخابات من مؤيدي الكتل الأخرى هي التي وضعت قائمة سائرون بمركز الصدارة، وليست أصوات الناخبين.
لذلك، من غير المستبعد أنْ تفشل قائمة سائرون في تشكيل الكتلة النيابية الأكبر، إذا واصلت إيران تدخلها بشكل فاعل لإعادة بناء "البيت الشيعي"، بالاعتماد على الحليف التقليدي من قائمتي الفتح ودولة القانون، في ما ستلعب سائرون دورا مؤثرا في الحكومة المقبلة إلى جانب دور رقابي أكثر فاعلية من الدورات الانتخابية السابقة.
news_share_descriptionsubscription_contact
