علاء الريماوي
القدس- الأناضول
توفي الاثنين، الحاخام الإسرائيلي مناحيم فرومان، المعروف بمواقفه الداعمة لحل سلمي للقضية الفلسطينية، عن 68 عاما اثر صراع طويل مع المرض.
الحاخام فرومان شغل الصحافة وحير من كتب عنه، تناقض في وصفه من عرفوه، فالبعض قال عنه إنه "مستعمر قاتل"، فيما قلبوا آخرين الصورة واصفين إياه بأنه "رسول السلام" .
حكاية الحاخام بدأت منذ ولادته في العام 1945 لعائلة علمانية في أحد المستوطنات الإسرائيلية، تشرب منها الفكر المتنور لكنه كان بعيدا عن تعاليم التوراة وأساطيرها، كبر وتعلم في المدرسة النظرية في مدينة حيفا شمال إسرائيل التي قربته من ثقافة العرب، فعرف بذلك حكاياتهم، طباعهم، ديانتهم ، لكن كان صهيونيا يحمل قناعة دولته في العرب لذلك خدم في قوات المظليين بالجيش الإسرائيلي في مقتبل عمره.
صدى النار والمعركة في الجيش قربه من حالة التدين حيث التحق ببعض المراكز الدينية في القدس ودرس كذلك في الجامعة العبرية التي اكتسب منها ثقافته التوراتية.
هذه الثقافة دفعته إلى منهجية دينية قريبة إلى التصوف، لكنها حافظت على خط من الصهيونية، الذي أسس له مركزا دينيا رسميا في مستوطنة "تقوع" المقامة في جنوب الضفة الغربية على أراض فلسطينية.
الجديد في شخصية الحاخام انتقاله إلى عالم السياسة المقترنة بالدين ، حيث تقول الأدبيات الإسرائيلية عنه دعوته للحل السلمي على قاعدة "الأديان مفتاح حل الصراعات".
وفق هذا الشعار سمحت الحكومة الإسرائيلية للحاخام دخول السجن ، ولقاء الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحركة المقاومة الإسلامية حماس في نهاية الثمانينات ، طارحا ومناقشا.
الحاخام الإسرائيلي لم يحد نفسه بلقاء القيادات الدينية بل فتح علاقات مع القرى الفلسطينية المحيطة بمستوطنة تقوع ، حيث كثف الزيارات للقرى وساهم في تنسيق بعض الأمور الإنسانية التي يحتاجها من في تلك المنطقة بعد أن ضيق الجدار العنصري التي أقامته إسرائيل في الضفة عليهم ومنعهم من التواصل بالمستشفيات القريبة .
حكاية القرب والبعد جمعته في العام 2000 مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقر المقاطعة في مدينة رام الله، لتهنئته بالعيد حيث أهداه الرئيس الراحل سلسلة ذهبية تقديرا له على جهوده في دعم السلام.
لقاءات الحاخام لم تكن مقصورة على أعلام "المقاومة الفلسطينية" بل طار خارج فلسطين للقاء رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان بعيد عملية القرصنة البحرية الإسرائيلية على سفينة مرمرة بشهور قليلة ، والتي تسببت بفتح أبواب النقد من أحزاب اليمين الإسرائيلي واصفة إياه بأقذع العبارات وأقساها .
ورغم موجة الانتقاد واصل الحاخام لعبة السخرية من المتناقضات، فرومان المستوطن الذي يستولي على أرض فلسطينية يحج إلى مقر الرئيس الحالي محمود عباس في العام 2011 ليعلن دعمه لذهاب السلطة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة لنيل صفة الدولة ، في ظل جهد حكومته إفشال الخطوة بأي ثمن .
فرومان الذي تمكن مرض السرطان من جسده حتى أرداه صريعا أمس الاثنين، نعته مؤسسات السلام الإسرائيلي كرسول للسلام ، وقدمه الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز كبطل تحدى بقناعته موجة العداء الطاغي في المنطقة بين العرب والإسرائيليين وظلت رواية السلطة الفلسطينية منه ثابتة من أن الحاخام أحد الشخصيات الداعمة لقيام الدولة الفلسطينية .
لكن وصف السلطة الفلسطينية ناقضه المحلل السياسي مصطفى الصواف الذي قال لمراسل الأناضول إنه "برغم أن الحاخام قدم للعالم كداعية للسلام إلا أن الحقيقة هي أنه مستعمر ، يسكن على الأرض الفلسطينية وكان شريكا في احتلال القدس، وساهم في دعم موجة الاستيطان".
هذا الحديث وافقه المفكر الفلسطيني عزام التميمي الذي وصف السلام في الأرض الفلسطينية قائلا لمراسل الأناضول: "أمنية السلام لا يحققها سوى منطق الاعتراف الإسرائيلي بالجريمة، جريمة الاحتلال ، قتل البشر ، مصادرة الكرامة ، وذبح التاريخ على مقصلة التهويد، وهذا ما لم يقف في وجهه دعاة السلام في الجانب الإسرائيلي" .
لكن واصل أبو يوسف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية قال إن "فرومان أسس لعلاقة متينة مع الرئيس الراحل ياسر عرفات ، حدد علاقته بالدولة الفلسطينية بأنه يقبل المواطنة تحت سيادتها، ودحض الرواية الدينية الإسرائيلية من أحقيتها بوطن يمتد من النيل إلى الفرات ، نحن في منظمة التحرير نمد أيدينا لعلاقة مع دعاة السلام مهما كانت وجهتهم ، وديانتهم ومنهم الحاخام الإسرائيلي".