إيمان عبد المنعم
القاهرة– الأناضول
ظهر في مصر بعد الثورة مساران للتعبير عن حالة الشارع المصري، وكذلك مواقف القوى السياسية، الأول في الشارع حيث تدور مظاهر صراع سياسي يشوبه العنف أحيانا تتراوح بين الاعتصام والحصار والتهديد والتظاهر والاعتداء على سياسيين، وهي التحركات التي تقابل بأسلاك شائكة وجدران خرسانية من قبل السلطات.. ومسار آخر يتجه نحو الاحتكام للصناديق وإعلاء كلمة الشعب.
وفي ما يلي رصد قامت به "الأناضول" لمشاهدات أخيرة من هذين المسارين منذ 21 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، موعد إصدار الرئيس محمد مرسي لإعلان دستوري حصن فيه قراراته من الطعن عليها أمام القضاء، وهو الإعلان الذي أثار جدلا واسعا تطور إلى صدامات دموية بين مؤيدين ومعارضين.
المسار الأول
- الاقتحامات والاشتباكات: تمثلت بشكل رئيسي في اقتحام مقرات الأحزاب، ومنها حزب الحرية والعدالة الحاكم، ومقرات جماعة الإخوان المسلمين؛ حيث بلغ عدد المقرات التي تم حرقها أو اقتحامها، منذ نحو 28 مقر بحسب تصريحات مرشد الجماعة، محمد بديع.
كذلك تم اقتحام مقر حزب الوفد المعارض بالقاهرة السبت الماضي. واستخدم في هذه الأحداث أحيانا القنابل الحارقة المصنعة يدويا (زجاجات المولوتوف) والأسلحة البيضاء.
وجرت كذلك في الأسابيع الأخيرة محاولات لاقتحام القصر الرئاسي المعروف باسم "الاتحادية" شرق القاهرة في الرابع من الشهر الجاري، أدت لوقوع اشتباكات دامية بين مؤيدي ومعارضي الرئيس في محيط القصر استخدم فيها الرصاص الحي.
وامتد الأمر إلي مترو أنفاق القاهرة حيث قام متظاهرون بمحاولتين في الأسبوعين الماضيين لاقتحام محطة المترو الواقعة أسفل ميدان التحرير لتعطيله ومنع المواطنين من الدخول إلى العربات اعتراضا علي الدستور.
- وقبل أسبوع من انطلاق المرحلة الأولى للاستفتاء على الدستور الجديد السبت الماضي، تكررت الاشتباكات بين مؤيدي ومعارضي الدستور في القاهرة وعدة محافظات استخدمت خلالها في بعض الاشتباكات الأسلحة البيضاء.
- الحصار: تم استخدام أسلوب الحصار والحصار المضاد بين المؤيدين والمعارضين للرئيس، وتجلى ذلك بقوة في محاصرة القصر الرئاسي مطلع الشهر الجاري، وما زال هناك اعتصام للعشرات بالقرب منه، وحاصر معارضون أيضا مجمع الخدمات الحكومية بميدان التحرير ردا على محاصرة مؤيدين للرئيس للمحكمة الدستورية العليا بالقاهرة لمنعها من إصدار حكم محتمل بحل الجمعية التأسيسية للدستور وعرقلة الاستفتاء، بحسب تقديرهم.
- وفي الإسكندرية (شمال) حاصر مئات المعارضين للدستور، مسجد القائد ابراهيم، اعتراضا على دعوة خطيب المسجد الشيخ إبراهيم المحلاوي للتصويت بنعم في الاستفتاء على الدستور.
القضاة أنفسهم شاركوا أيضا في استخدام وسيلة الحصار حينما قام عدد من وكلاء النيابة الادارية يوم الاثنين الماضي بمحاصرة دار القضاء العالي اعتراضا علي النائب العام المعين من قبل الرئيس، طلعت عبد الله، ولم يفك الحصار إلا بعد تقديم استقالته.
وقام أعضاء حركة حازمون، من أتباع حازم أبو اسماعيل الناشط السياسي المنتمي للتيار الإسلامي، بمحاصرة مدينة الانتاج الاعلامي بمدينة 6 أكتوبر (جنوب غرب القاهرة) التي تضم أستوديوهات الفضائيات المصرية الخاصة علي مدار 8 أيام، اعتراضا علي سياسات القنوات الفضائية الخاصة المناهضة للتيار الإسلامي علي حد قولهم.
الاعتداءات على سياسيين
- ظهرت إلى السطح السياسي منذ نهاية الشهر الماضي ظاهرة الاعتداء على شخصيات سياسية من الجانبين، المؤيدين والمعارضين للدستور، ومن هؤلاء على سبيل المثال: المحامي حمدي الفخراني والمرشح الرئاسي السابق أبو العز الحريري، من المعارضة، والمحامي صبحي صالح القيادي بجماعة الإخوان المسلمين من التيار المؤيد، حيث تعرض هؤلاء لاعتداءات بالأسلحة البيضاء وللضرب المبرح.
موقف السلطات: لم تواجه قوات الأمن كل هذه المحاولات، واكتفت في حالات معينة بإقامة حواجز من الأسلاك الشائكة والجدران الخرسانية، لتصبح أجزاء عديدة من العاصمة المصرية أشبه بالثكنات العسكرية، وبالأخص منطقة وسط القاهرة التي يوجد أكثر من 7 جدران خرسانية تغلق الشوارع المؤدية لوزارة الداخلية ومجلس الوزراء ومبنى البرلمان والسفارة الأمريكية. وانضم لهذه المنطقة مؤخرا القصر الرئاسي.
المسار الثاني
بالتوازي، كان هناك مسار آخر وهو المسار الانتخابي الديمقراطي الذي يتجسد في الاحتكام إلي الصندوق.
وبدأ هذا المسار عقب نجاح ثورة يناير/كانون الثاني 2011 في إسقاط الرئيس السابق حسني مبارك، حين نظم المجلس العسكري الذي كان يدير البلاد وقتها استفتاء على تعديلات دستورية في 19 مارس/آذار 2011، وبلغت نسبة المشاركة فيه 41%، وهي أعلي نسبة يشارك بها الشعب المصري في استفتاء منذ بدء تنظيم الاستفتاءات قبل ستة عقود.
وتوالي بعد ذلك تدافع المواطنين على صناديق الاقتراع؛ حيث شارك الناخبون المصريون في انتخابات البرلمان بغرفتيه ثم انتخابات الرئاسة الصيف الماضي، وصولا إلى الاستفتاء على دستور مصر الجديد الذي تنطلق مرحلته الأخيرة السبت المقبل.
واللافت أن نسبة المشاركة لا تضم فقط المؤيدين لسياسيات النظام، ولكن تضم كذلك المعارضين؛ ففي أثناء الانتخابات البرلمانية ديسمبر/ كانون الأول الماضي علق بعض المعتصمين بميدان التحرير اعتصامهم بميدان التحرير ضد المجلس العسكري اعتراضا علي أحداث العنف التي جرت بين معارضين للمجلس العسكري وبين قوات الأمن في محيط مجلس الوزراء وشارع محمد محمود حتى يشاركوا في التصويت علي عملية اختيار نواب مجلس الشعب الجدد
والأمر تكرر مع الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد عندما قررت حركة شباب 6 إبريل تعليق اعتصامها أمام القصر الرئاسي وفي ميدان التحرير حتى ينتهي الاستفتاء، ما يؤكد مشاركة قسم من المصريين في المسارين معا: مسار الاعتصامات والاقتحامات والحصار، والمسار الديمقراطي، كما يشير مصطفي كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية في القاهرة.
وفي تصريح لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء، أرجع ذلك إلى وجود "حالة من الخوف للعودة إلى عهد النظام السابق بشكل جديد، ومن هنا تتزايد حمية الشارع وخاصة الشباب الذي قاموا بالثورة للانتفاضة بالعديد من الأشكال لاكتساب مزيد من الحريات والحصول علي ضمانات أوسع بعدم المساس بها أو بأي الطريق لتحقيق أهداف ثورتهم".
ورأى أنه "لا يوجد انفصال بين من يثور ويخرج في مظاهرات ويدعو حتي للعصيان المدني وبين من يذهب للتصويت عبر الصناديق حيث يرى أن الصندوق هو أحد الوسائل للتعبير عن رأيه سواء بالرفض أو القبول".
وأعرب السيد عن توقعه بأن تشهد مرحلة ما بعد الاستفتاء تزايد حالة الاحتقان السياسي خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية القادمة.
news_share_descriptionsubscription_contact
