عبد الرحمن فتحي
القاهرة – الأناضول
"طبيعته الشخصية الساعية للإتقان، ووضعه المهني الهادف إلى تقليل نسبة الخطأ ونشأته الدينية التي تُعلي من قيمة اللغة تدفعه إلى الحرص على تقليل نسبة الخطأ في اللغة بخلاف باقي الساسة العرب"..
كان هذا تعليق محمد المهدي، خبير تحليل الخطاب والخبير النفسي، على ندرة الأخطاء اللغوية في خطابات الرئيس المصري محمد مرسي وأيضا على سرعة استدراكه وتصحيحه لهذه الأخطاء.
وتميّزت خطابات مرسي، منذ توليه الرئاسة، بحرصه الشديد على إلقائها بالفصحى بما فيها خطاباته المرتجلة، ومحاولة تدارك الأخطاء اللغوية القليلة من خلال سرعة تصحيحها في أحيان كثيرة.
وفي تتبع قامت به وكالة "الأناضول" للأنباء للأخطاء اللغوية في خطابي مرسي الأخيرين أمام قمة عدم الانحياز بطهران نهاية أغسطس/آب الماضي وخطابه أمام الجامعة العربية الأربعاء الماضي، تبين وقوع مرسي في 30 خطأ لُغويًا في خطابه بإيران من بين حوالي ثلاثة آلاف كلمة ألقاها في مدة 40 دقيقة، أي بنسبة 3%.
ويؤكد المهدي، في حديثه لمراسل وكالة "الأناضول" أن هذه "نسبة قليلة جدًا قياسًا على واقع خطابات الرؤساء الآخرين، كما أنه استدرك بالتصحيح 4 أخطاء من الثلاثين حيث أعاد قراءة الجملة مصححة بعد خطئه فيها".
وكان أبرز أخطاء مرسي في خطابه بإيران قوله في مقدمة كلمته "وارض اللهم عن سادتنا أبو بكر وعمر.." حيث رفع كلمة "أبو" وهي مجرورة "أبي"، كما أن من أخطائه التي لم يصححها: "ونحن نرفع شعارنا نحو عالم أكثرُ عدلا" حيث رفع كلمة (أكثر) وهي صفة مجرورة بالفتحة لأنها ممنوعة من الصرف، ومنها كذلك "علينا جميعا أن نعلن دعمُنا الكامل" حيث رفع "دعمنا" وهي منصوبة، وانحصرت جميع أخطائه اللغوية في التشكيل والإعراب.
واستدرك مرسي في خطابه قوله "ولعل الخطوةُ الأولى" حيث صححها إلى "ولعل الخطوةَ الأولى"، وأيضا "ولقد حَمَلت مصر" وصححها "ولقد حُمِّلت مصر".
وفي خطابه أمام وزراء الخارجية في جامعة الدول العربية، كانت نسبة الأخطاء أقل بكثير، وبرر المهدي ذلك "لعدم وجود مؤثرات خارجية ضاغطة عليه"، وبلغت أخطاؤه في هذا الخطاب 15 خطأ من مجمل 2900 كلمة بنسبة لا تتجاوز 1.5% - مقابل 3% في خطاب طهران - استدرك منها مصححًا 5 أخطاء.
وكانت أخطاؤه المصححة هي قوله: "ورفض أي محاولة لتهديد أي قسم منها أو المسِ بسيادة.." بعد أن أخطأ بقوله "..أو المسُ بسيادة" وكذلك "إلا على قاعدة إعلانٌ صريح" حيث صححها بقوله "إلا على قاعدة إعلانٍ صريح"، وأخيرًا تصحيحه قائلا: "إذا لم نفعل ذلك يسبقنا غيرُنا" بعد قوله "إذا لم نفعل ذلك يسبقنا غيرَنا".
واعتبر المهدي أن ندرة الأخطاء اللغوية لدى الرئيس المصري ترجع إلى "أمر متصل بطبيعة الرئيس وهو أنه شخص يدقق في التفاصيل، ويهتم بالإتقان، إضافة إلى الجانب المهني حيث إنه أستاذ هندسة وبالتالي فهو معتاد أن نسبة الخطأ لديه قليلة أو منعدمة".
وأضاف: "إلى جانب هذين الأمرين فمرسي رجل تربى تربية دينية وهي تربية تُعلي من قيمة اللغة والكلمة والتعبير، وهو ما يجعله قلقا عند أي خطأ لغوي".
وأشار المهدي إلى أن مرسي "ينجح في أن تكون لغته سليمة تماما تقريبا، حينما يكون مطمئنا وتكون الظروف المصاحبة لخطابه أقرب لطبيعته كما في خطبته ليلة القدر وخطابه في جامعة الدول العربية"، معتبرًا إحساس مرسي بوجود متربصين له يتصيدون الأخطاء أحد أسباب حرصه على الاستدراك حين وقوع الخطأ".
وفي سياق حديثه عن أثر استدراكاته وتصحيحه للأخطاء على الجمهور المتلقي، قال محمد المهدي: "الناس تتوقع من الخطاب الرئاسي ألا تكون فيه استدراكات أو توقفات وألا يكون به أي انقطاعات أو تصويبات وهو ما قد يعطي إحساسًا بأن الرئيس مرتبك أو مهزوز".
وتابع المهدي: "هذا الإحساس السلبي لدى المتلقي يتحول مع مرور الوقت حينما ينكشف للناس أن ذلك يأتي في سياق محاولة الإتقان، وهو ما يصعب ملاحظته لغير المتخصصين في البداية"، مؤكدا أن مرسي "يتطور في مواجهاته وخطاباته وهذا التحسن لا يتوقف عند اللفظ بل يتجاوز ذلك للأداء".