إبراهيم غالي
القاهرة - الأناضول
قرر الاجتماع الدولي الذي اختتم أعماله في مالي، الجمعة، بدء تشكيل قوة عسكرية إفريقية لمساعدة الحكومة المالية في استرجاع الجزء الشمالي من البلاد من أيدي الجماعات المسلحة، فيما يرى محللون أن التدخل العسكري محفوف بالمخاطر حيث إنه قد يؤدي إلى الإطاحة بالحكومة وزيادة انتشار تنظيم القاعدة.
واتفق المشاركون في الاجتماع الذي عُقد بالعاصمة باماكو على تنسيق الأطراف الإقليمية والدولية للقيام بتدخل عسكري وشيك، على أن تقوم المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "الإيكواس" بوضع خطة تشكيل قوة جماعية قوامها ثلاثة آلاف فرد وتحديد احتياجاتها ومهامها الأساسية والمساعدة التدريبية واللوجستية المطلوبة من القوى الدولية.
وشارك في الاجتماع ممثلون من دول الجوار من بوركينا فاسو والنيجر وكوت ديفوار والجزائر وموريتانيا والسنغال وغينيا ونيجيريا وتشاد وليبيا، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، بالإضافة إلى الاتحاد الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا والاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية للفرانكفونية.
ووفق محللين فإن العمل يسير في مالي وإقليميًا ودوليًا نحو مسار واحد يعتمد الإسراع في تشكيل الوحدة المقاتلة الإفريقية للتدخل العسكري في شمال مالي.
وتسعى فرنسا على وجه التحديد إلى مساعدة "الإيكواس" في إنهاء هذا الأمر خلال ستة أسابيع، أي قبل أن تنتهي فترة الـ 45 يومًا التي منحها مجلس الأمن للمجموعة لوضع خطة التدخل العسكري، وذلك من خلال القرار الذي أصدره حول مالي أوائل الشهر الجاري.
وتصاعد الحديث خلال الأسابيع الأخيرة حول ضرورة التدخل العسكري في شمال مالي على الرغم من مضي ستة أشهر على سيطرة "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" و"جماعة أنصار الدين" على تلك المنطقة، وإعلان دولة الطوارق في 6 إبريل/ نيسان الماضي.
ويرى المحلل الأمريكي، جريجوري مان، أستاذ التاريخ الإفريقي بجامعة كولومبيا الأمريكية، أن حالة الجمود الداخلي في مالي حول ضرورة طلب التدخل العسكري انكسرت خلال الأسابيع الماضية، نتيجة لثلاثة عوامل، أولها الضغوط الدولية الكبيرة التي مارستها فرنسا، والتي اعتمدت مؤخرًا على دبلوماسية عدوانية تجاه مالي، وسعت في المقابل لكسب تأييد دول الجوار كموريتانيا والجزائر ومنظمة "الإيكواس" لخطوة التدخل العسكري عبر تعزيز التعاون والشراكة معهم.
أما السبب الثاني فيتمثل في تراجع الولايات المتحدة عن فكرة إقامة حكم ديمقراطي وحكومة قوية منتخبة في باماكو، قبل الشروع في عمل عسكري في الشمال، واللجوء إلى خيار التفاوض مع زعماء الطوارق من أجل استعادة وحدة البلاد؛ وذلك خوفًا من التهديد الذي يمثله تنظيم القاعدة في شمال مالي.
ويكمن السبب الثالث في أن التدخل في مالي أصبح لا مفر منه بسبب لجوء مئات الآلاف من الماليين إلى الدول المجاورة؛ ما أدى لتضرر هذه الدول، وتحديدًا النيجر ونيجيريا وموريتانيا، بشكل مباشر من التنظيمات الجهادية، إذ ربما باستثناء الجزائر لا يمكن أن تصمت هذه الدول أمام هذا التهديد لفترة طويلة، بحسب جريجوري مان.
وسبق أن توصلت حكومة باماكو و"الإيكواس" إلى اتفاق مشترك في 23 سبتمبر/ أيلول الماضي إلى شروط نشر قوة غرب إفريقية في شمال مالي.
وطالب رئيس الوزراء المالي، شيخ موديبو ديارا، رسميًا يوم 26 من الشهر نفسه الأمم المتحدة بالتفويض لقوة عسكرية إفريقية بالتدخل لمساعدة حكومة بلاده على استعادة سيطرتها على شمال البلاد ومواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة، وهو ما أقره مجلس الأمن في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، شرط أن تقدم "الإيكواس" تفاصيل ومتطلبات خطة هذا التدخل العسكري في غضون 45 يومًا.
ورأى العديد من المحللين الإستراتيجيين أن ثمة مخاطر حقيقية قد تنجم عن التدخل العسكري في شمال مالي.
وقال الكاتب، سيمون أليسون، في مقال نشرته جريدة "دايلي مافيريك" الجنوب إفريقية، تحت عنوان: "التدخل في مالي فكرة خطرة تحظى بتأييد شديد"، إن "التأييد الدولي للتدخل العسكري يأخذ زخمًا أسرع من رياح "الهارمتان" التي تهب على منطقة الساحل الإفريقي".
وأوضح أن "هذا الزخم للتدخل في مالي، وليس في سوريا أو إقليم دارفور السوداني رغم أنهما يعانيان أوضاعًا إنسانية أسوأ، يرجع إلى تكرار اسم تنظيم القاعدة في شمال مالي، فهذا وحده كفيل باستحضار الحل العسكري، حتى وإن كان ليس معروفًا على وجه الدقة كثافة وجود القاعدة بهذه المناطق".
ورأى أليسون أن الأطراف الدولية، وخاصة فرنسا والولايات المتحدة، تدعم التدخل العسكري لأنهما لن تغامرا بخوض حرب مباشرة على غرار العراق وأفغانستان، ولن تحمل الحرب مخاطر مباشرة عليهما، وإنما سيكون التدخل إفريقيًا خالصًا، بينما تكتفي الأطراف الدولية بتقديم الدعم المالي واللوجستي لحوالي 3 آلاف جندي إفريقي سيعملون تحت غطاء من الشرعية الدولية.
ولذا رأى الكاتب أنه كان ينبغي تركيز الجهود بدايةً على عودة الشرعية لحكومة مالية قوية ذات مصداقية، لأن هذا جزء أصيل من الحل، يجعل مشكلة الشمال أسهل من خلال التفاوض مع زعماء الطوارق في الشمال، والتغاضي مؤقتًا عن تعظيم المخاوف من تنظيم القاعدة و"المتشددين الإسلاميين" الذين سيفقدون قوتهم في ظل وجود الشرعية في جنوب مالي.
ومن جانبه لفت عبد الرحمن عبد القادر، أحد كبار الباحثين في معهد دراسات الأمن في أديس أبابا، النظر إلى عواقب التدخل العسكري قائلاً: "سيكون خطأ فادحًا تصور أن تستطيع قوة جماعية مشكلة من 3300 إلى 3700 استعادة 300 ألف كيلو متر؛ فهذه القوة ستخوض حربًا غير متماثلة وسط صحارٍ واسعة وكثبان رملية ودرجات حرارة مرتفعة، وهي عوامل يتقن فيها المتمردون الحرب.. وبإمكان هذه الجماعات الإسلامية المتشددة أن تلجأ إلى الدول المجاورة التي يسهل اختراق حدودها المفتوحة بسهولة كبيرة".
ولفتت دورية "أفريكا فوكس" في عددها الصادر يوم 15 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، إلى أن المسلحين في شمال مالي ليسوا وحدة متجانسة يمكن محاربتها بسهولة، وأن الحرب سوف تدفع بـ"الحركة الوطنية لتحرير أزواد" إلى التحالف مرة جديدة مع "جماعة أنصار الدين" التي تسيطر مع الحركة على مدن غاو وكيدال وتمبكتو، وتتعاون مع حركة "التوحيد والجهاد" في غرب إفريقيا، ذات الطابع السلفي، في كل مناطق إقليم أزواد.
وقد تؤد الحرب إلى كثافة تواجد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من أجل الدفاع عن أزواد المستقلة، وإحداث انتشار للجهاديين من الطوارق في النيجر وبوركينا فاسو وموريتانيا وليبيا والجزائر.
من جانب آخر، توجد خلافات سياسية بين أطراف حكومة الوحدة الوطنية في مالية التي تشكلت في أغسطس/ آب الماضي؛ حيث ما زال قادة الانقلاب العسكري ضد الرئيس أمادو توماني توريه الذين يسيطرون على الجيش يمارسون الحكم من خلف الكواليس، ويرفضون التدخل العسكري الخارجي، وهو ما قد يعصف بهذه الحكومة، كما يقول سيمون أليسون في جريدة "دايلي مافيريك" الجنوب إفريقية.
news_share_descriptionsubscription_contact
