هاجر الدسوقي - منى منصور
القاهرة - الأناضول
"لم يمت إكلينيكيًا"، عبارة لن تسمع غيرها على لسان زملائه الصحفيين الذين لا يعتبرونه مجرد زميل في "مهنة المتاعب" فحسب، ولكن الحسيني أبو ضيف مثال للصحفي المُصر على كشف الحقائق حتى لو كلفه الأمر طلقة خرطوش تستقر في رأسه، وتبقيه في العناية الفائقة على مدار يومين كاملين.
لم يكن يعلم الحسيني صاحب الملامح الثورية، التي تلمحها في أشيائه البسيطة من كوفية فلسطين وماسك لقنابل الغاز وحنجرته وهو يهتف بها وسط ميدان التحرير أو في مسيرة على سلالم نقابة الصحفيين، أنه حينما حمل كاميرته الصغيرة التي اشتراها مؤخراً ليسجل الأحداث المشتعلة أمام قصر الاتحادية ستعجزه لقطة واحدة على التقاطها، تلك اللقطة التي تخترق فيها رصاصة الخرطوش رأسه الساعة الثالثة فجرًا يوم الأربعاء 5 سبتمبر/أيلول.
يقول عدد من زملائه الصحفيين والناشطين السياسيين الذين وقفوا خارج غرفة العناية الفائقة، يحاولون الاطمئنان ولو بكلمة عن حالة رفيق الكفاح، "الحسيني كان سعيدًا جداً بكاميرته الجديدة لأنه ادخر ثمنها مدة طويلة، وتمنى أن يسجل بها كل المسيرات والمظاهرات السلمية".
فيقاطع الحديث أحد زملائه، شاهد عيان على ما حدث للحسيني، "التقط صورًا عديدة للاشتباكات التي حدثت في ذلك اليوم بين المؤيدين والمعارضين، ووقف معي بعيداً لنقلب معاً الصور لكن بندقية الخرطوش كانت أسرع منه، فسقط منّا غارقاً في دمه، ولا أعرف عندما يفيق من الغيبوبة ويسألني عن صور الاشتباكات، ماذا أقول له".
سرقت كاميرا الحسيني ومتعلقاته الشخصية وسط انشغال الجميع بمحاولة إسعافه من مستشفى لآخر، وجميعها رفضت استضافته بحجة عدم وجود أماكن بالعناية المركزية، واستمر نزيف الجمجمة يسيل على مدار ساعتين حتى استقبله في النهاية مستشفى ثالث، مع أذان الفجر.
"صحفيون أحرار هنكمل المشوار"، هتاف أصر الصحفي بجريدة الفجر على استكماله عندما استقرت رصاصة الخرطوش بمخه وأدت إلى كسر الجمجمة وأولى فقرات العنق، ونزيف حاد، حيث بقي واع بكل ما يحدث حوله لمدة ساعتين، وأخيرًا وصل المناضل الصعيدي إلى العناية الفائقة وتم التعامل معه طبيًا.
الطبيب محمد شرف، صديق شخصي للحسيني، قام بزيارته في المستشفى مع أحمد نجيب جراح المخ والأعصاب في شيكاغو فأكد له الأخير أن "الحالة حرجة للغاية، لأن الحسيني أصيب بخرطوش صناعة محلية، وهو نوع يؤدي لتدمير الجسم المخترق تماماً، فضلاً عن أن الشظايا منتشرة بالجمجمة، وإزالتها بأي جراحة سيكون خطرًا على حياته".
عبير السعدي وكيل نقابة الصحفيين تقول لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء "الحسيني الآن يصارع الموت، وجميع الأطباء يحاولون الآن الحفاظ على وظائفه، أكدوا لنا أنه مازال بغيبوبة لكن هناك استجابة ملحوظة في تحرك الأطراف، ربما يكون النزيف توقف، لا نعرف لكن..".
تتمالك السعدي قوتها وتكمل بصوت محشرج "لكن أملنا أن يتنفس بدون أجهزة صناعية، أملنا أن يقاوم هنا، زي ما (كما) كان طول الوقت يقاوم هناك في الميدان وعلى سلالم النقابة".