تونس - الأناضول
فاروق توقاد وعادل الثابتي
لطفي زيتون، الوزير والمستشار السياسي لرئيس الحكومة التونسية حمادي الجبالي، رجل مثير للجدل في تونس، كثيرا ما يُحدث المفاجأة في الحوارات التي تجريها معه وسائل الإعلام التونسية، يصنفه أعداؤه بالخطير على حرية الإعلام والديمقراطية ويعتبره أنصاره سياسيا شعبيا ثوريا لم يمنعه كرسي الوزارة في مكتب رئاسة الحكومة عن الاختلاط بأوسع الجماهير فكثيرا ما يغادر مكتبه ليشارك في التظاهرات الشعبية التي تشهدها دائما ساحة قصة الحكومة بالقصبة ويلقي الخطابات الحماسية المنادية بالتطهير والضغط على الحكومة لتنفيذ استحقاقات الثورة فهو حسب عديد الملاحظين عضو الحكومة وخصمها في نفس الوقت.
في هذا الحوار الذي خصّ به وكالة الاناضول يطرح لطفي زيتون خارطة طريق لجديدة لإنقاذ الوضع السياسي في البلاد من عواقب الاستقطاب، تقوم على أساس الوحدة الوطنية.
وإلى الحوار
كيف تقيمون قرابة العام من عمل حكومتكم؟
ليس هناك تقييم سريع، هذه السنة تمكنت فيها الحكومة من المحافظة على مستوى من الاستقرار واستئناف الدورة الاقتصادية وإعادة ترتيب المشهد السياسي. ونحن نقترب من 24 كانون الأول/ ديسمبر الذكرى الأولى لتسلّم الحكومة الحالية السلطة نكتشف أنه ليس الأطراف الحاكمة فقط بل كل الطبقة السياسية قد بالغت في تقدير القدرة على الانجاز خلال هذه المرحلة.
لقد وقع خطأ في تعريف المرحلة التي هي مرحلة انتقال ديمقراطي وليس مرحلة الصراع الديمقراطي فسلك الجميع سلوكا معينا، في حين كانت مرحلة الانتقال الديمقراطي تتطلب سلوكا آخر. إن المشكل بدأ عندما رفضت بعض الأطراف الدخول في حكومة وحدة وطنية التي وجهت الدعوة لها أساسا حركة النهضة. ومن جهة أخرى النهضة عندما استجاب شريكان توقفت عن عملية الجمع بوجود أغلبية مريحة وهذا كان خطأً، فالأصل كان تقديم مزيد التنازلات لضمان التحاق أطراف أخرى.
هناك من يعتبر أنكم لم تحسنوا قراءة المشهد السياسي التونسي فوقعتم في عديد الأخطاء، ماذا تقولون؟
لم نحسن تعريف المرحلة فمراحل الانتقال هي المرحلة التي تولد فيها الدولة، والدولة التونسية التي ولدت بعيد الاستقلال ولدت في رحم الحرب الأهلية والصراع الدموي بين البورقيبيين واليوسفيين، وهذا حكم مسار الدولة حتى انهارت ونحن لا نريد ذلك، نحن نريد دولة ثابتة حكمها توافقي والصراع السياسي يدور وفق معايير وضوابط قانونية ومؤسساتية.
أنا أطرح أن تأخذ كل الأطراف خطوة إلى الوراء في اتجاه إعادة انتاج الفرصة التي أضعناها بعد 23 تشرين الأول أكتوبر 2011 وتعيد تشكيل المشهد السياسي التوافقي الذي يتلاءم مع مرحلة الانتقال الديمقراطي وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها كل الأطراف.
الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة يقال عنها أنها تحت تأثير أطراف لم تفز في الانتخابات القادمة يبدو أنكم لم تحسنوا فهمها وتقدير قزتها، كيف ترون أنتم المسألة؟
الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة نقابية شاركت في ولادة الدولة وشاركت في حرب التحرير وقدمت مؤسسها شهيدا وكانت ترى لنفسها دورا في الحكم، والثورة باعتبار الاتحاد كان مشاركا أصيلا فيها أعادت هذه الطموحات.
ولكن لماذا تعمد أطراف سياسية إلى الاحتماء بمظلة الاتحاد وقد زال القمع السياسي ؟
هذه نتيجة و وليست أصلا، لو وجدت هذه الأطراف مكانا لها في الحكم في ائتلاف واسع لما التجأت إلى الاتحاد.
ولماذا يشتكي شركاء النهضة في الحكم من قلة التنسيق معهم مما جعل البعض يلوح بمغادرة الحكومة؟
هناك خطأ آخر ارتكب بسبب قلة التجربة فعوض تشكيل الائتلاف الحاكم كما معروف في التقاليد السياسية بتقسيم الحكم بين جملة من الأحزاب نحن قمنا بتقسيم الدولة، فالترويكا نوع من الحكم لا تجده إلا في الدول المنقسمة عرقيا وطائفيا فتقع المحاصصة على مستوى الدولة وليس على مستوى الحكم، فقسمت الرئاسات وقسمت الحكومة والأصل هو أن حزبا يأخذ الحكومة وحزب يأخذ المجلس التأسيسي وحزب يأخذ الرئاسة. وسبب الارتباك ليس ذاتيا بل تفرضه تركيبة خاطئة للائتلاف وكذلك التسرّع في عقد الائتلاف دون اتفاق على برنامج ولا مدونة سلوك كما يحدث في كل الائتلافات الحاكمة. وعندما اقترحت على الإخوة ضرورة وجود مدونة سلوك للائتلاف يكتبها ويشهد عليها مجموعة من الشخصيات السياسية والقضائية مستقلة ردّ عليّ أحدهم قائلا : نحن لسنا في بريطانيا.
من بين التحديات التي تواجه الحكومة اليوم أيضا الظاهرة السلفية، ما رأيكم ؟
إن التحدي السلفي ظاهرة كونية وليست ظاهرة خاصة بالعالم العربي الإسلامي وكان هناك تباين في معالجة الظاهرة بين دول الشمال ودول الجنوب، فدول الشمال حاولت مواجهة الظاهرة بإعمال الآليات الديمقراطية حتى في الجانب القمعي من المعالجة لم تخرج هذه الدول عن الضوابط القانونية. وفي دول الجنوب عموما والدول العربية خصوصا وقع التعامل مع الظاهرة بخلط كبير فسقطت في تجاوز القانون وهي تزعم أنها تحارب خارجين عن القانون.
كيف جاءت السلفية وتونس مهد الاسلام المالكي الاشعري المعتدل؟
الحركة الإسلامية الأولى جاءت من المشرق لأن دولة بورقيبة قضت على أي خطاب ديني محلي بعد أن كانت تونس منتجة للخطاب الديني فتوقف الانتاج فأصبح التدين والفكر الديني يستوردان، وعندما كان الشرق ينتج في الستينات فكرا دينيا وسطيا من خلال مدرسة الإخوان وقع تأثير من هذه المدرسة وكانت هناك بقايا من المدرسة التونسية من خلال رموز لها مثل الشيخ الفاضل بن عاشور والشيخ أحمد بن ميلاد والشيخ محمد صالح النيفر فوقع تفاعل سريع بين المدارس أنتج ما عرف بحركة النهضة. وفي عهد بن علي اختفت المدرسة الزيتونية باعتبار عامل السن وكذلك فكر النهضة، وحتى الخطاب الذي بقي احتكرته نخبة لائكية متطرفة متحالفة مع الدكتاتورية فالشباب لم تكن له ثقة في هذا الخطاب فذهب يستورد من المشرق مرة أخرى حيث كان الفكر المتشدد في صعود لأسباب أهمها النفوذ المالي والإمكانيات التكنولوجية الهامة عبر الفضائيات.
هل صحيح أن هناك مجموعات سلفية تُستغل من قبل معادين للثورة؟
هذا وارد، وقد لوحظ أن هناك شحنات من اللحي المستوردة للتمويه، والسلفية ظاهرة في طور التشكل مختلطة بالإجرام المنظم و بؤر الفقر الاجتماعي والآن لا يمكن القيام بفرز اجتماعي دقيق لهذا التيار وهم عرضة للاستعمال من قوى داخلية وخارجية معادية للثورة باعتبار سطحية فكرهم.
هناك جزء من أنصاركم يعتبرون الحكومة قد فوتت على نفسها كثيرا من الفرص والوقت لتنفيذ استحقاقات الثورة
الالتجاء لبقايا النظام السابق والبطء في تحقيق أهداف الثورة سببه الاستقطاب الحاد والذي يزداد حدّة. أما البطء في تنفيذ استحقاقات الثورة فالثورات كلها فيها هذه التقلبات، الثورة لم يكن لها قائد ولا حزب طليعي والنخبة منقسمة والأحزاب منقسمة، الحزب الوحيد الذي حافظ على وحدته كان بسبب القيادة الكارزمية وبسبب قوة القمع الذي لم يسمح بالانقسام هو حزب النهضة.
وهذا الوضع المأسوي للثورة حسب البعض مكّن المنظومة القديمة من أن تطلّ برأسها من جديد بماذا تجيبون أنصار الحكومة والحريصين على الثورة؟
الثورة التونسية بدأت يوم 14 جانفي ولم تنته، وهي سيرورة تشهد مدا وجزرا والنخبة السياسية ارتكبت جملة من الأخطاء. . ولكن هذا لا يعني أن ثورة بمثل هذا العمق والامتداد الجغرافي ستنتهي بهذه البساطة. الشعب أعطى فرصة للنخبة لتقود المرحلة الانتقالية وهي فرصة لا تتكرر . الثورة حركة تاريخية كبرى ليس من السهولة القول أنها انتهت وأن النظام القديم يطل برأسه من جديد.
عملية الهدم الثوري في تونس توقفت عند رأس الدولة وأمل الشعب في أن تصلح النخبة بقية المؤسسات دون اللجوء للهدم وهذا موقف عقلاني وما تفعله النخبة من خلال اختلافاتها الصغيرة قد يدفع الشعب إلى مزيد تعميق عملية الهدم وهذا ما لا نتمناه ولكن هذه سنن التاريخ والسياسة لا تسير بالأماني.
الاعلام له دور عظيم في هذه المرحلة الانتقالية والاعلام التونسي ليس فيه تعددية هناك أحادية الصوت، من ناحية أخرى هل هناك خطر على الثورة من ظهور حزب يتجمع فيه أنصار النظام القديم ويناوئون الثورة؟
الإعلام هو من نفس المنظومة التي كانت تشتغل في عهد الدكتاتورية وفي مجملها كانت مشتغلة بمحاربة المعارضة التي تحكم الآن وخاصة حركة النهضة، كل آلايات الدعاية والامكانيات جندت وكانت هناك وكالة الاتصال الخارجي المكلفة بمحاربة الحركة. هذا القطاع لم تصله الثورة بعد وهو من القطاعات المقاومة للثورة ولا أقول مقاومة للنهضة أو الحكومة. وهذا يعالج بالوقت ومن خلال إعادة إنتاج مشهد إعلامي جديد.
بالنسبة لإمكانية بروز حزب يهدد الثورة، نظريا الإمكانية موجودة، عمليا غير ممكن باعتبار ما ألاحظه من قوة الزخم الثوري ما قد لا يكتشفه الملاحظ العادي، المتعمق في الظواهر التاريخية يعرف أن محاولة الانقلاب على الثورة قد ينتج نوعا من العنف غير متحكم فيه.
هل هذه القراءة التي تقدمونها للوضع هي التي ستتحكم في ما يُشاع عن التحوير الوزاري المرتقب بما سيعكس توسيع دائرة الائتلاف ورجوع للخط الثوري؟
ما يزال هناك اختلاف وكل له تقييمه في الائتلاف وكذلك في النهضة وفي المعارضة يرون التقييم مبالغ فيه وأن الأمر يحتاج بعض الترميمات في الحكومة حتى تتحسن الأوضاع، أنا لا أشاطر هذا الرأي فالمسألة أعمق من هذا والبلد يحتاج إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي بشكل يحقّق أوسع ما يمكن من الوحدة،ندعو إلى حكومة وحدة وطنية تشارك فيها كل التيارات السياسية الكبرى على الأقل.
هل هناك مفاوضات في هذا الاتجاه مع الأحزاب؟
هناك نقاش يدور داخل النهضة وداخل الترويكا حول هذه المسائل وليست هناك مفاوضات بعد.
هل تجد هذه الأفكار الجذرية صدى في أوساط حركة النهضة؟
كلما مضينا في الوقت إلا وازداد الاقتناع بهذا الطرح.
هل سيقع التحوير الوزاري في أقرب وقت؟
التحوير الوزاري إذا وقع الآن لن يكون له تأثيرا أو معنى سياسيا.
في ظل عدم الوضوح لدى الترويكا ولدى النهضة كيف يلوح لكم الأفق السياسي في البلاد؟
إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه نحن مهددون يتصاعد العنف السياسي بشقيه النابع من التطرّف الديني ومن الاستقطاب المبالغ فيه وكذلك نحن مهددون يتصاعد العنف الاجتماعي الناتج عن قصور في تحقيق انتظارات المواطنين خاصة الفئات والجهات المحرومة.
أنتم تلمحون إلى الكتلة التاريخية؟
نحن نريد اقناع النخب أنها بصدد تضييع الفرصة وهذا ليس خوفا على حركة النهضة بل على البلاد فالنهضة هي أقوى الأحزاب التي تعرضت إلى أكبر عملية استئصال تعرضت لها حركة في تاريخ المنطقة وصمدت وإذا توترت الأوضاع فإن لها أكبر قدرة على الصمود ونحن نشفق على البلد ولا نريد ولادة دولة في رحم الصراعات والتجاذبات والدماء.
هل من كلمة أخيرة سيادة المستشار؟
أود أن أقول إن تونس هذا البلد الصغير يقع في قلب المتوسط أي قلب العالم وهو أحد أهم المراكز الستة الرئيسية في الأمة الإسلامية لإنتاج الحضارة والفكر والثقافة. ونحن نأمل من خلال قيادة تونس للربيع العربي ومن خلال نجاح التجربة أن تعود تونس لإنتاج الثقافة.
إن التقارب مع مصر من خلال الاشتراك في التجربة يعيد العلاقات التونسية العربية إلى وضعها الطبيعي، تونس الآن منفتحة على كل محيطها ونأمل من إخواننا خاصة الأتراك الذين يطمحون الى العودة الى لعب دورهم التاريخي أن يساندوا التجربة ولا يلتفتوا إلى محاولات إفشال هذا التقارب التي تأتي من أعداء الديمقراطية وأعداء الثورة في البلدين.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
