غزة - الأناضول:
لم يعد الرياضيون يحطمون الأرقام القياسية على أرض الملاعب الخضراء فقط، فهناك لاعبون (جدد) تمكنوا من تحقيق إنجازات "مذهلة" في مجالات غير رياضية، وبعيداً عن الملاعب أيضاً.
فقد حقق لاعب كرة القدم الفلسطيني محمود السرسك إنجازا جديدا، لكن في مجال غير كروي، حيث واصل اليوم السبت إضرابه عن الطعام لليوم السابع والثمانين على التوالي، وما زال الرقم قابلاً للزيادة، لأنه لا يزال عازما على الاستمرار طالما أن مطلبه بالحرية لم يتحقق.
وقد اعتقل السرسك، وهو من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة في الثاني والعشرين من تموز/ يوليو 2009، على حاجز بيت حانون خلال توجهه إلى الضفة الغربية، للاحتراف في نادي مركز شباب "بلاطة" الرياضي.
ومنذ ذلك الحين، يخضع السرسك، البالغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، للاعتقال دون محاكمة أو تقديم لائحة اتهام ضده، حيث تعتبره إسرائيل "مقاتلاً غير شرعي".
وقد استحدثت إسرائيل هذا المصطلح في أعقاب حرب غزة (كانون أول/ ديسمبر 2008- كانون ثان/ يناير 2009)، والذي يمكنها من اعتقال الفلسطينيين من دون محاكمة.
ويعتبر ذووه أن السلطات الإسرائيلية "اختطفته" بطريقة غير شرعية، حيث أنها منحته تصريحا للانتقال من غزة إلى الضفة الغربية، قبل أن "تغدر" به، وتعتقله.
وقد بدأ اللاعب إضرابه عن الطعام في التاسع عشر من آذار/ مارس الماضي، احتجاجاً على تمديد اعتقاله لمدة ستة شهور للمرة السادسة على التوالي.
ويبدو القلق ظاهراً على "أبو العبد، وأم العبد"، والدي السرسك، حيث باتا يتوقعان سماع وفاته بين لحظة وأخرى.
فتقول والدته (65 عاماً) لوكالة "الأناضول"، التي زارت منزلها في مخيم الشابورة قرب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، إن كل أمانيها أن ترى ولدها "عائداً على ساقيه، وألا تودعه جثة هامدة، معبأة في كيس أسود".
أما والده (70) عاماً، فيقضي كل وقته، في الدعاء لابنه بأن "يمنَّ الله عليه بالفرج، ويعود للبيت"، وأن يراه قبل أن يفارق هو الحياة.
يضيف والده "حينما مدوا اعتقال محمود، أصبت بجلطة في المخ، ونقلت للعلاج في مصر، وعدت قبل عشرة أيام، وما زلت مريضاً.. لا أدرى هل سأعيش كي أراه مرة أخرى أم لا، ولا أعرف من منا سيفارق الحياة أولاً".
وتنتشر صور السرسك بغزارة على أزقة مخيم الشابورة الضيقة، فيما ينشط عدد من المجموعات الشبابية للتضامن معه، والمطالبة بإطلاق سراحه، انطلاقاً من خيمة اعتصام أقيمت على "دوار النجمة" وسط مدينة رفح.
وقالت الناشطة الشبابية هداية شمعون لمراسل الأناضول خلال وجودها في الخيمة، إن الأسبوع الجاري سيشهد عدة أنشطة تضامنية مع "السرسك" من ضمنها "رسم جداريات، وعقد مباريات رياضية، وسباق دراجات هوائية، وتنظيم أمسية شعرية".
وقد بدأ محمود السرسك مسيرته الرياضية منذ نعومة أظفاره، حيث لفت الأنظار لمهارته العالية في لعب كرة القدم، ولعب في صفوف نادي خدمات رفح.
وبسبب مهارته كان السرسك أصغر لاعب في الدوري الفلسطيني الممتاز، حيث شارك فيه، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره.
ولم يكن اختياره ضمن المنتخب الأولمبي الفلسطيني مستغرباً، نظراً لكفاءته العالية، حيث شارك في عدة بطولات ومباريات دولية، وحصل على جائزة في بطولة عقدت في النرويج عام 2003.
ويقول شقيقه عماد لمراسل "الأناضول" إن مدربين ألمانيين عرضوا على محمود اللعب في نوادٍ ألمانية، قبل نحو عشرة أعوام، لكن العائلة رفضت، بسبب صغر سنه، وخوفها على دراسته.
كما تلقى محمود - حسب شقيقه عماد - عرضاً للاحتراف في نادي "النجمة" الكويتي، لكنه لم يستطع تحقيقه بسبب تعرضه للاعتقال من قبل الجيش الإسرائيلي.
ويؤكد عماد السرسك أن شقيقه السجين ليس له علاقة بالتنظيمات الفلسطينية، أو أعمال المقاومة المسلحة، حيث إنه اعتقل ولم يكن بحوزته سوى "حقيبة بها زي وحذاء رياضي".
ويلاحظ في خيمة الاعتصام التضامنية مع السرسك وسط مدينة رفح، غياب أي ملصقات تابعة للفصائل الفلسطينية التقليدية، فيما يمتلئ المكان بملصقات مجموعات شبابية ونقابية.
ويقول عماد إن آخر معلومة وردت إليه حول شقيقه كانت الخميس الماضي، من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأفادت أنه تم نقله من مستشفى "سجن الرملة" إلى مستشفى "أساف هروفيه" في مدينة تل أبيب بعد تدهور حالته الصحية.
وأضاف "أصيب محمود مجدداً بضمور في عضلة القلب، وفقد 30 كيلوجرامًا من وزنه، ويعاني من هبوط في نسبة السكر في الدم، وانخفاض في أعداد كرات الدم البيضاء والحمراء، وتشوش في السمع والرؤية والنطق، بالإضافة إلى إصابته اليومية بحالات الإغماء".
ويختم شقيقه قائلاً "رغم كل ذلك، هل تصدق أن جيش الاحتلال يقيّد محمود بالسلاسل في سريره بالمستشفى؟".
من جانبه، اعتبر فتحي أبو العلا، رئيس نادي خدمات رفح، الذي يتبع له السرسك، أن "ما يتعرض له محمود، هو أحد أنواع استهداف إسرائيل للرياضة الفلسطينية".
وأضاف لمراسل "الأناضول" "لو كان محمود إسرائيلياً لرأينا أوروبا وأمريكا قد وقفت وقفة واحدة، وأجبرت من يعتقله على الإفراج عنه.. للأسف كل المنظمات الدولية تكيل بمكيالين حينما تكون إسرائيل طرفاً".
ويؤكد المدافعون عن قضايا الأسرى، أن الإضراب الذي يخوضه السرسك هو الأكبر في التاريخ، حيث سجل أكبر إضراب عن الطعام للأسير الفلسطيني المحرر خضر عدنان والذي استمر سبعة وسبعين يوماً.
وسبقه الأسير الأيرلندي في السجون البريطانية بوبي ساندز، والذي استمر إضرابه عن الطعام لمدة ستة وستين يوماً، وانتهى بوفاته في الخامس من أيار/ مايو عام 1981.
يب/عب/عج