كوثر الخولي
القاهرة- الأناضول
في إحدى دور العرض السينمائي بضاحية 6 أكتوبر، جنوب غرب القاهرة، تفاعل عدد من رواد السينما مع مشاهد المشاجرات التي تضمنها فيلم "عبده موتة" بالتصفيق والهتاف تارة، وبالرقص والغناء أحيانًا أخرى مع المشاهد الراقصة التي احتواها الفيلم بشكل متكرر، الأمر الذي تحولت معه قاعة العرض السينمائي إلى ما يشبه "صالة رقص"، على حد وصف إحدى الفتيات المتواجدات في القاعة لمشاهدة الفيلم.
هذه "الحالة التفاعلية" تم رصدها في أكثر من دار عرض سينمائية، ففي بعض دور العرض حمل بعض الشباب الأسلحة البيضاء اقتداءً ببطل الفيلم الملقب بـ "عبده موتة"، فيما قام آخرون بالتدخين داخل صالات العرض رغم وجود لافتات تحظر التدخين في الأماكن المغلقة، مما دفع نقاد ومتخصصين إلى اتهام الفيلم بنشر ثقافة العنف و"البلطجة" بين الشباب اقتداء ببطل الفيلم.
و"البلطجة" كلمة تستخدم محليًا للدلالة على الأعمال الخارجة عن القانون التي يستخدم فيها القوة، مثل السرقة بالإكراه وإجبار شخص على إتيان فعل تحت تهديد السلاح.
ليست هذه التهمة الوحيدة التي تلاحق الفيلم، فقد استدعت النيابة كلاً من منتج وأبطال الفيلم للاستماع إلي أقوالهم في البلاغ الذي قدمه ضدهم "مركز مصر الفاطمية" لحقوق الإنسان بتهمة ازدراء الأديان ونشر الفتن بين طوائف الشعب، وذلك بالإساءة إلى آل بيت النبي محمد خاتم الأنبياء من خلال استخدامهم نشيدًا دينيًا، ثم إعادة توزيعه بطريقة غير لائقة ليصبح أغنية ترقص على أنغامها الراقصة دينا بطريقة تثير الغرائز، بحسب البلاغ المقدم.
وأدى الأمر إلى تدخل مفتي مصر شخصيًا، السبت 3 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، للفصل في ما إذا كان الفيلم مسيء أم لا، حيث أوصى في النهاية بحذف هذه الأغنية من الفيلم.
ويتناول فيلم "عبده موتة" قصة من داخل المجتمع المصري عن الفقر الذي يدفع العديد من الشباب إلى الانحراف، من خلال السقوط في مثلث الرذيلة؛ العنف والعلاقات غير الشرعية والمخدرات، من خلال عرض عدد من الشخصيات "غير السوية" التي انخرطت في مجموعة مواقف أدت إلى نهايات مأساوية لكل أبطال الفيلم.
الفيلم يقوم ببطولته الممثل الشاب "محمد رمضان"، ويشارك في بطولته الراقصة "دينا"، والممثلة الشابة "حورية فرغلي" ومن تأليف "محمد سمير مبروك"، وإخراج "إسماعيل فاروق"، ومن إنتاج "السبكي فيلم".
وتصدّر فيلم "عبده موتة" سباق أفلام عيد الأضحى الماضي بإيرادات وصلت إلى نحو 10 ملايين جنيه، وهو ما يعادل 1.7 مليون دولار أمريكي، بحسب مخرج الفيلم.
وانتقد إعلاميون ونقاد الفيلم الذين رأوا أنه يساهم في نشر ثقافة "البلطجة" والعنف من جهة، بالإضافة إلى استخدامه للرقص والمشاهد الجنسية لتحقيق إيرادات على حساب القيمة الفنية للعمل، معتبرين أن هناك موجة من أفلام العنف والبلطجة بدأت تتسلل إلى أفلام الشاشة الفضية، في الآونة الأخيرة؛ وهو ما يسبب تأثيرات سلبية على المراهقين والشباب.
وشهدت الساحة الفنية المصرية في الفترة التي أعقبت ثورة 25 يناير/كانون الثاني سلسلة من الأفلام السينمائية والمسلسلات التي تناولت ظاهرة البلطجة وشخصت ملامح "البلطجية" بشكل مكثف مثل أفلام؛ "بعد الموقعة"، و"الألماني"، ومسلسلات مثل "البلطجي"، و"طرف ثالث"، و"ابن موت".
وحول تأثير الأعمال الفنية التي تقدم نموذج "البلطجي" وتتناول أجواء "البلطجة"، يقول محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، لمراسلة الأناضول: "إن مشاهدة الأفلام والمسلسلات التي تجسّد عالم البلطجية بشكل متكرر ومكثف، تؤدي إلى نمذجة العنف، من خلال العراك بالأيدي أو باستخدام السلاح".
ويضيف: "كما أن ذلك يقلل من تهيّب ارتكاب الأعمال العنيفة، لأنه من المفترض أن الإنسان السوي عندما يرى مشاهد عنف وضحايا أكثر؛ فإنه يتأثر سلبًا، إلا أن كثرة مشاهدة دراما العنف تقلل الحساسية من هذه المسألة".
وبحسب المهدي "لم يخل الفيلم من قيمة سلبية واحدة؛ فهنا الخيانة، وهنا القتل، وهنا العهر والخداع بين كل شخصيات العمل المشوهة نفسيا، وهو ما جعل صناع الفيلم يجهزون الأجواء لإعدام البطل".
ويفسر الناقد السينمائي طارق الشناوي إقبال الجمهور على هذا الفيلم رغم تواضع مستواه الفني، قائلا: "أحدث الفيلم نوعًا من التوحد اللاشعوري بين الجمهور والبطل، نظرًا لقوة عبده موتة المفرطة، وكذلك فحولته الجسدية الواضحة من أحداث الفيلم".
وأضاف: "كما أن صناع الفيلم لم ينسوا أن يفرضوا العدالة الشاعرية، فيلقى كل المخطئين عقابهم القاسي ولا توجد تفرقة بين جريمة جنائية وأخرى أخلاقية، ففي نهاية الفيلم شاهدنا الجميع يدفع الثمن، الراقصة يشوَّه وجهها، وشقيقة البطل التي تورّطت مع صديقه في علاقة جنسية تتزوج عقابًا لها من شخص ساذج، وكل الرجال المذنبين تسيل دماؤهم، بينما البطل يذهب إلى غرفة الإعدام، والجمهور يزداد إشفاقًا عليه وتوحدًا معه".
ويربط عمرو أبو خليل، أستاذ الطب النفسي بجامعة الإسكندرية، شمال مصر، بين انتشار قيم العنف وبين طريقة تناول الأعمال الفنية للعنف والأبطال الذين يمارسون العنف في الأفلام، ويقول موضحًا: "المشكلة أن هناك بعض الأعمال الدرامية تقدم لنا البطل الذي يقوم بدور البلطجي وكأنه نموذج للشخص القادر على أن يأخذ ما يريد وقتما يريد وبالتالي تخلق جيلاً لا ينظر إلى الأسباب أو الوسائل المشروعة القانونية التي من خلالها يمكن أن يحقق ذاته وأن يحصل على حقوقه".
ويضيف أبو خليل لمراسلة الأناضول: "والأخطر من ذلك في دراما العنف، أنَّها تقدم لنا القانون أو من بيده تطبيق القانون عاجزًا عن مواجهة العنف، ومن هنا يفقد الجيل الحالي من الشباب إيمانه بالقانون كمنهج حياة يعطي لكل ذي حق حقه ويحمي الضعيف ويقاوم المستبد".