أحمد زكريا
الأناضول- القاهرة
شارع عربي الشكل والمضمون، هو عصب القاهرة القديمة، وشريانها الرئيسي، لا يمكن للعين أينما ولت فيه إلا أن تقع على أثر عربي " إسلامي " شامخ، تعاقبت عليه عصور مختلفة، وأزمنة متباينة، والشارع ممتد لم تجن منه الحياة لحظة واحدة، لم يتحول فيه ركن إلى أطلال، منذ أكثر من ألف عام تتدفق الحياة في شارع المعز لدين الله.. هكذا بدأ الروائي المصري جمال الغيطاني حديثه عن شارع المُعز في كتابه " ملامح القاهرة في ألف عام ".
عند السير في شارع المعز، لا يسير المارون بخط مستقيم حيث إن تخطيط الشارع العتيق تم بشكل مُتعرج من أجل حماية السائرين فيه من أشعة الشمس في الصيف.
شارع المعز الذي يبدأ بمسجد السلطان الناصر قلاوون وينتهي بمسجد الحاكم بأمر الله، ويحوي بين دفتيه الكثير من الأثار الإسلامية و تتفرع من خلاله أشهر مناطق القاهرة التاريخية والتي ذكرها الأديب العالمي نجيب محفوظ في كثير من رواياته مثل منطقة النحاسين وخان الخليلي والغورية والفحامين وزقاق المدق والسكرية.
و يعتبر شارع المُعز أو بين القصرين كما تسميه المصادر التاريخية هو الشارع الوحيد الذي يدخَل إليه المارة بأثر وهو باب الفتوح ويخرجون منه بأثر وهو باب زويلة ويحتوي على 33 أثراً إسلامياً.
ويرى الدكتور خالد عزب مدير المشروعات بمكتبة الإسكندرية أن شارع المعز هو واحد من أهم الشوارع في القاهرة، لأنه يحتوي على آثار متنوعة من عصور مختلفة كالعصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي والعثماني، مما يجعله مرجعـــًا للمهتمين بدراسة فن العمارة، ومن هذه الأثار من العصر الشركسي مثل مسجد السلطان برقوق والعصر العثماني مثل أسبلة خسرو باشا وعبد الرحمن كتخدا وجامع السلحدار وبيت السحيمي.
وأضاف عزب للأناضول أن شارع المعز تاريخيــًا كان هو الشارع الذي تمر منه المواكب السلطانية حيث يتحرك السلطان من باب النصر عبر شارع المعز الذي كان معروفــًا باسم " القصبة العظمى" حتى يصل إلى باب الفتوح، أو الانتقال من باب زويلة إلى القلعة، وكان الشارع من أكثر الشوارع التي يتم فيها عمل "الانتشار العسكري" حتى يبرز الجيش قوته من حيث العُدة والعتاد، أو عرض الأسرى .مشيرًا إلى أن الشارع كان ممرًا رئيســـًا بالنسبة للحجيج، كما مَثل ساحة تجاريـــة كبرى حيث كانت تلتقي فيه السلع من الصين و أوروبا للبيع.
ارتبط شارع المعز تاريخيــًا بالسلطة والحاكم، فمنذ أنشئت القاهرة على يد القائد جوهر الصقلي في عام 358هـ/969 م،في عهد الخليفة الفاطمي المعزّ لدين الله،ثم أنشأ الأسوار والأبواب لحمايتها فكان باب الفتوح وباب زويلة، ثم جاء إنشاءُ الشارع الرئيسي بالنسبة لمدينة القاهرة وهو شارع القصبة العظمي الذي عُـرف بعد ذلك بشارع المُعز.
ومنذ هذا التاريخ و توالى الحكام والسلاطين على شارع المعز، وصار مقرُ حُكمـِهم، وكانت من العادات المُميــِزة للحُكام في الفترات المختلفة أن يُنشئوا مسجدًا أو سبيلاً أو مدرسة في هذا الشارع فمثلاً السلطان المملوكي الناصر بن قلاوون (1285-1341 ميلادية) أنشأ مدرسة و بيمارستان "مستشفى ".
يشير عزب إلى أن مقر الحُكم بعد محمد علي في النصف الاول من القرن التاسع عشر الميلادي انتقل من شارع المُعز إلى قصر عابدين، مما أدى لفقدان الشارع لقيمته السياسية بمرور الوقت، مؤكدًا أن الأعمال التي أنشأها حاكم مصر في العهد العثماني محمد علي الذي حكم في الفترة من 1805 الى 1848 ميلادية مثل السبيلين الواقع أحدهما في النحاسينوالآخر في العقادين كان سمة من سمات العصر.
يذكر أن المقريزي مؤرخ مصر والقاهرة، عاش في شارع المُعز وكتب في مخطوطاته عن الشارع الذي كان يُسمى حينها بــ " قصبة القاهرة".
أما البيت العثماني الأقدم في هذا الشارع فهو بيت السحيمي الذي يعود تاريخه إلى أواخر القرن الثامن عشر و الذي كان يملكه أحد علماء الأزهر وهو الشيخ(عبد الوهاب الطبلاوي) ثم انتقلت ملكية البيت للشيخ أمين السحيمي شيخ رواق الأتراك بالأزهر.
في نهاية شارع المعز من ناحية باب الفتوح، يأتي المسجد الذي اكتسب شهرة واسعة، الحاكم بأمر الله، الذي ارتبطت الأساطير المخالفة للشرع به و بمسجده حتى قال البعض إن الحاكم بأمر الله قد رُفع إلى السماء، وأخرون يرون أنه في رحلة لها نهاية و أتباعه ينتظرونه، مثل الدروز في الشام.