الأناضول- إدلب
خديجة الزغيمي
الأطفال هم المعلم الأساسي لمخيم أطمة، يستقبلونك ما أن تطأ قدماك المخيم، ولا يتركونك حتى تغادره. ليس هذا بغريب، إذا علمنا أن 10 آلاف من سكان المخيم الـ 17 ألفا، هم من الأطفال.
تجد نفسك محاطا بجيش من الأطفال طوال تجولك في المخيم، وعندما تتأكد أنهم لن يتركوك مهما طالت جولتك، تحاول تكييف نفسك على أداء مهمتك برفقتهم، وشيئا فشيئا تكتشف أن طفولتهم هي التي أضفت معنىً لجولتك.
بعضهم يدفعهم الفضول للتعرف على هؤلاء الغرباء الوافدين على المخيم، يأملون في سماع حكايا جديدة، وفي رواية حكاياهم لأناس جدد، وبعضهم يأمل في الحصول على الحلوى أو أي شيء قد يجود به هؤلاء الزوار، وجميعهم ينتابهم الحماس ما أن تتخذ الكاميرا وضع التصوير، فيهرعون للوقوف أمامها، مشيرين بعلامات النصر.
حوار في اتجاهين
الحوار مع هؤلاء الأطفال يسير في اتجاهين، فهم متحمسون للحديث عن القرى التي جاؤوا منها، وعم واجهوه فيها، وفي رحلة نزوحهم، وعن ثقتهم في العودة إلى ديارهم. وهم في نفس الوقت يرغبون في التعرف على هؤلاء الزوار الجدد، ضمن تيار الزوار الذي لا يكاد يتوقف.
سألَنا "أحدهم من أين أنتم؟"، وعندما أجبناه أننا من مصر، قال بلهجة الخبير الواثق من معلوماته، "لقد زارتنا آنسة من ضيعتكم (قريتكم)، الأسبوع الماضي".
معظم الأطفال يرتدون في أقدامهم أحذية بلاستيكية ذات رقبة عالية، تمكنهم من الخوض في الطين الناجم عن الأمطار بأقل الخسائر الممكنة. سألنا عن مصدر هذه الأحذية، فأخبرونا أن الجمعيات التركية وزعتها عليهم، بعد أن كانوا يتجولون في برد الشتاء وطينه بنعال خفيفة.
تبحث عن يد دافئة
ورغم الجهود التي تُبذل لمساعدة اللاجئين والنازحين السوريين، فإن كثيرا منهم لا يزال يعاني من برد الشتاء.
الطفلة "سناء" واحدة من هؤلاء، ما أن رأتني حتى أمسكت يدي، وقالت لي "كم هي دافئة، هل تسمحين لي أن أمسكها حتى تتدفأ يداي؟"، وهكذا بقيت يدها في يدي إلى أن انتهت جولتنا بعد ما يقرب من أربعة ساعات.
مرض دائم
هذه الظروف جعلت المركز الطبي للمخيم لا يكاد يخلو من المرضى، الذين يشكل الأطفال المصابون بالبرد معظمهم. قالت لنا إحدى الأمهات التي تنتظر عرض طفلها على الطبيب، "إنهم لا يشفون أبدا، كيف يمكن أن يغادرهم البرد في هذه الظروف".
ينتشر الأطفال طوال اليوم في طرقات المخيم، الصغار منهم يتجولون بلا هدف، والأكبر سنا تجدهم أحيانا يحملون إخوانهم الصغار، أو يساهمون في أداء المهام التي لا تنتهي، من إحضار الماء من الصهاريج، أو انتظار حصة العائلة من طعام الغداء، أمام مطبخ المخيم، محاولين التغلب على الانتظار الطويل بالطرق على آنيتهم، والترنم بأغاني الثورة.
عندما علمنا أن هناك مدرسة في المخيم، أبدينا دهشتنا من قضاء الأطفال أوقاتهم في التجول أو مساعدة أهاليهم بدلا من الذهاب إليها. بدا أن لكل طفل سبب وجيه لعدم ذهابه للمدرسة، كثيرون قالوا إنهم لا يستفيدون ولا يتعلمون شيئا فيها، آخرون أبدوا تخوفهم من قلة اهتمام بعض الأطفال بنظافتهم الشخصية، مما قد يؤدي إلى إصابتهم بعدوى "قمل الرأس"، وقف أحد الأطفال وقال، مختصرا حالة التوقف المؤقت لأنشطة الحياة الطبيعية التي يعيشها السوريون وخاصة النازحون واللاجئون، "سأذهب إلى المدرسة عندما أعود إلى قريتي".