سارة آيت خرصة
الصويرة ( المغرب) - الأناضول
أصوات طرقات متوالية على الخشب، ورائحة غراء قوية تزكم أنف العابرلأزقة المدينة، وكلما نقل الخطو بين دروبها العتيقة ارتفع الصخب القادم من ورشات النقش على "خشب العرعار" التي لا يخلو منها حي.
ولا يُعَرف أهل المدينة أنفسهم أمام أي غريب سوى أنهم "أهل العرعار" وأمهر صناعه في المغرب، ممن يطوعون ألواح الخشب فيبدعون زخارف ومنحوتات فريدة.
في جنوب المغرب وعلى بعد 365 كيلوميترا من العاصمة الرباط ، تطوق غابات خشب العرعار مدينة الصويرة المغربية، المطلة على شواطئ المحيط الأطلسي ،لا يذكر العرعار إلا مقترنا بهذه المدينة، فهو مصدر رزقه أهلها وأهم قطاعات الصناعة التقليدية التي يعتمد عليها اقتصادها المحلي.
أكسبها شهرة بين غيرها من المدن المغربية التي تتوافر فيها أيضا أخشاب العرعار، دون أن تضاهي جودة منتوجاتها ، منتوجات العرعار بالصويرة ومهارة صناعها، على ما يقول عدد من صناع العرعار في المدينة لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء.
"لخشب العرعار رائحة مميزة تختلف عن ما سواه من أنواع الخشب، غاباته لاتوجد بالقرب من الصويرة فقط بل تمد إلى مناطق أخرى في المغرب بل في إسبانيا والجزائر و لتصل إلى الحدود التونسية لكن الصويرة هي أكثر شهرة في النقش على العرعار".. يقول "المعلم" أحمد (62 سنة) للأناضول.
ويعمل أحمد في ورشة لصناعة العرعار وقد استقر دكانه في زاوية صغيرة وسط حي "الملاح" اليهودي القديم ، حيث تنتشر حوانيت صناعة العرعار ومحلات بيع منتوجاته.
ويضيف "وهنا في الصويرة أضحى النقش على الخشب ليس مجرد حرفة يمتهنها أغلب أهل المدينة، بل هواية يميل إلى ممارستها حتى الصغار".
حركات يده تنحي وتميل بسلاسة ملحوظة وهو يخط على لوحة الخشب الممددة على طاولته نقوش نباتية، أزهارا وفروع أشجار، وبعد أن يفرغ من الرسم نقوشه وبطَرْقٍ سريع متوالي يحفر أخاديد على الخشب، لا تستقر على شكل محدد إلا بعد أسابيع من العمل المتواصل.
"النقش على خشب العرعار ولطبيعته الخاصة يحتاج من الصانع صبرا وطول نفس، أحوال هذه الحرفة اليوم لا يغري الكثيرين (..) وعدد الصناع يقل يوما عن يوم، الكل يغادر لامتهان ما يدر عليه مالا أكثر".. يقول المعلم "أحمد" وهو يواصل نقر الخشب بعناية، ويستغرق النظر في لوحته الخشبية، ليطمئن أن تشكيلاته الهندسية تنطبق على تلك التي رسمها على الورق .
صناعة "العرعار" في الصويرة ارتبطت بالتطور العمراني الذي عرفته المدينة منتصف القرن الثامن عشر، بعدما جعل منها السلطان العلوي" محمد بن عبد الله" مدينة عامرة وقد كانت فيما مضى ثغرا جهديا بحريا لصد هجمات القراصنة والغزاة الإسبان.
وتتحدث المصادر التاريخية أن خشب "العرعار" دخل المدينة خلال هذه الفترة حيث استعمل في بناء أسوارها ومساجدها، ومالبث أن أضحى فنا وحرفة ذاع صيتها مع توافد عدد من المورسكيين إلى الصويرة قادمين من فاس تطوان (شمال المغرب) مسلمين ويهودا.
"ما نجنيه من صناعة العرعار موسمي ومحدود، يرتبط بإقبال السياح (..) فهذه المدينة الصغيرة يعمل أغلب أهلها إما في صيد السمك أو في صناعة العرعار، رياحها التي تهب باردة قادمة من الأطلسي طوال فصول السنة لا تنثر عبر أزقتها غير رائحة السمك والعرعار" يقول "بوشعيب (44 سنة) حرفي في النقش على خشب العرعار وزجال(ينظم الشعر بالدارجة المغربية) معروف بين أهل المدينة.
ولا تخلو قصيدة له كما يروي للأناضول من تغني بحرفته وسرد لتعلقه بنقر الخشب والرسم على ألواحه والنحث عليه.ويخشى أغلب الحرفيين في مدينة الصويرة - الذين قابلتهم الأناضول - من اندثار هذا التقليد العريق، بسبب قلة المواد الأولية، وإن كان العرعار يشغل مساحات غابوية شاسعة، خاصة في جنوب المغرب، لكن استنزاف هذه الثروة جعل السلطات المحلية تفرض قيودا صارمة على قطع أشجار العرعار، كما أن ضعف المداخيل التي يسجلها هذا القطاع من الصناعة التقليدية -حسبما يقول حرفيو العرعار- جعل الكثيرين يهجرون الحرفة ويلتحقون بحرف أخرى أكثر انتعاشا ورواجا.
أما المعلم "أحمد" ومثلما دأب منذ سنوات، يمضي أغلب ساعات يومه في دكانه، تتلون بذلته البيضاء بغبار نجارة العرعار البني، يلتقف مبردا ليزيل كل خدش يحول دون أن تصير طاولته الخشية ملساء الملمس، ينصرف بعد الانتهاء من النقوش إلى تلميع سطح إناء من العرعار، لا يغادر إلى بيته إلا وخشب الإناء والطاولة يلمع بريقا، يسحبهما من داخل الدكان، ليضعهما في واجهته، وكله أمل أن تقع عليهما عين سائح صباح اليوم التالي.