نور أبو عيشة
غزة - الأناضول
لم يكن صباحُ الثلاثاء 30 مارس/ آذار من عام 1976 كما تمناه الفتى محمود مواسي ابن الخمسة عشر عاما آنذاك، حيث رفع يديه قبل نومه ليلتها إلى السماء داعياً بأن تخفّ حدة التوتر "المتزايد" السائدة في الشارع الفلسطيني، بسبب "الجنون" الإسرائيلي في مصادرة الأراضي الفلسطينية وطرد الأهالي منها، بحسب كلماته.
فمع ساعات الصباح الباكرة، استيقظَ مواسي "فزعاً"، هرولَ إلى نافذةِ منزله الصغير في قرية "الباقة الغربية" في منطقة "مثلث النقب"، جنوب إسرائيل (فلسطين التاريخية المحتلة عام 1948)، ليستكشف سبب الضجيج الذي يسمعه.
شاهد الفتى الفلسطيني الطائرات المروحية الإسرائيلية تحلّق فوق قريته، وتطلق نيران أسلحتها بين الفينة والأخرى على بيوت المواطنين، فخرج شباب القرية وأطفالها ونساؤها، ليتضامنوا سوياً، ويشكلوا درعاً بشرياً يمنعون "من خلاله" الجيش الإسرائيلي من التصرف في قريتهم ومسقط رأسهم.
وما هي إلا بضعُ دقائقٍ حتّى اقتربت الآليات الإسرائيلية العسكرية، والقوات الأمنية، صوبَ القرية، وحاول الشباب الفلسطيني سدّ الطريق على الجيش الإسرائيلي لمنعه من دخول القرية، وجرت اشتباكاتٍ بين الجانبين.
وقال مواسي (52) عاماً، حالياً، في حوار هاتفي، مع مراسلة وكالة "الأناضول" للأنباء: "في يوم الأرض، قبل 37 عاماً، حدثت اشتباكات عنيفة بين الشباب الفلسطيني في قرية الباقة الغربية التي تحد بلدة الجليل من الجنوب، وبين الجيش الإسرائيلي، وأصيب الكثير من شباب القرية، وصودرت الكثير من الأراضي الزراعية، وطرد السكان الفلسطينيون الأصليون منها".
وأوضح أن "هذه الأحداث التي بدأت من الجليل وامتدت إلى المناطق المجاورة، أدت إلى هبّة شعبية، حيث انتفض الشعب الفلسطيني القاطن في أراضي الـ1948 المحتلة وهي أراضي فلسطين التاريخية".
وذكر مواسي أن الجليل والقرى المحاذية لها "عرابة وسحنين" من أكثر المناطق التي تعرضت لمصادرة أراضيها، وتهجير سكانها.
وتذكر مواسي أحداث "مصادرة" الجيش الإسرائيلي لأرض "جدّه" (أحمد)، حيث رفض في بداية الأمر الخروج من أرضه في قرية "الباقة الغربية"، وتشبّث فيها وبأشجارها، إلا أن الجيش الإسرائيلي صوّب البنادق اتجاه رأسه، وأرغموه "عنوةً" بالأساليب الإسرائيلية "القاسية" على الخروج من أرضه.
ولفت إلى أن حال جدّه "أحمد"، كحال الكثير من سكان القرية الذين أخرجوا من أراضيهم عام 1967، لتسيّج بسياجٍ إسرائيلي يحرّم على مالكيها الاقترابَ منها.
وأضاف أنه "في نفس اليوم، 30 مارس/آذار، فقدت فلسطين (6) من خيرةِ شبابها، من المدافعين عن الأرض الفلسطينية، في الجليل والقرى المجاورة، وأصيب العشرات"، معتبرا أن هذا هو "نفس ما يتكرر الآن من مصادرة إسرائيل لأراضي الفلسطينيين وقتلها إياهم وكأن التاريخ يعيد نفسه".
وأوضح أنه منذ ذلك العام، ويعايش الفلسطيني ذكرى "يوم الأرض"، فـ"يفتخر" بشهداء أرضه، ويذّكر العالم العربي بأرض فلسطين، "المهوّدة، والمصادرة"، ويذكرهم –أيضاً- بمأساة الشعب الفلسطيني.
وأشار مواسي إلى أن إسرائيل بعد مصادرة الأراضي من الجليل والقرى المجاورة، أقامت عدة مدن لـ"توطين" الفلسطينيين فيها، كما أنها اليوم تستعد لبناء مدينة "حريش" اليهودية في منطقة مثلث النقب، كما تسعى لمصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية في النقب، وتهجير أهلها منها.
ويحيي الفلسطينيون، اليوم السبت، 30 مارس/ آذار، ذكرى "يوم الأرض"، التي ترجع لأحداث وقعت عام 1976، عندما أقدمت الحكومة الإسرائيلية على مصادرة مساحات شاسعة من أراضي السكان العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.
ومنذ ذلك الوقت، يحيي الفلسطينيون في كافة مناطق تواجدهم، هذه الذكرى بفعاليات ومسيرات، ويعتبرونها رمزًا من رموز الصمود الفلسطيني، كونها تعبّر عن محور الصراع مع إسرائيل المتمثل بـ"الأرض".
وتعود جذور الأحداث إلى ما يعرف إعلاميًّا باسم بـ"نكبة فلسطين"، وتأسيس دولة إسرائيل على أنقاضها عام 1948، حيث بقي داخل حدود فلسطين التاريخية قرابة 156 ألف فلسطيني، لم تستطع القوات الإسرائيلية إجبارهم على الرحيل، كبقية اللاجئين الفلسطينيين، وتم منحهم الجنسية الإسرائيلية.
لكن السلطات الإسرائيلية دأبت على مصادرة أراضيهم، وقراهم، والتضييق عليهم بهدف دفعهم لمغادرة البلاد.
وفي عام 1976 صادرت الحكومة الإسرائيلية مساحات كبيرة من أراضي هؤلاء العرب الأقلية، الواقعة في نطاق حدود مناطق ذات أغلبيّة سكانيّة فلسطينيّة مطلقة، وخاصّة في منطقة الجليل (شمال إسرائيل).