سارة آيت خرصة
الرباط - الأناضول
أعرب خبير عسكري واستراتيجي مغربي عن اعتقاده أن "التنسيق الأمني بين الولايات المتحدة والمغرب سيتواصل"، رغم متغيرات عديدة طرأت مؤخرا على علاقتهما، ووصفها بـ"الظرف السياسي المتشنج" بين الطرفين.
فمع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عزمها طرح مشروع قرار يسعى إلى توسيع مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (المينورسو)، على طاولة التداول بمجلس الأمن الدولي اليوم الإثنين لتشمل انتهاكات حقوق الإنسان، ردت الحكومة المغربية بإعلان تأجيل مناورات "الأسد الإفريقي" العسكرية المشتركة بين الجيشين المغربي والأمريكي، واصفة القرار الأمريكي بـ"المبادرة الأحادية" و "المتخذة دون تشاور".
وفي هذا السياق، اعتبر عبد الرحمـن مكاوي خبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية في حديث لمراسلة وكالة الأناضول للأنباء إن تأجيل المناورات "لا يمكن قراءته في اتجاه سوء العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة، أو اتخاذها منحى سلبي ، بل إن طبيعة المناخ السياسي السائد بعد التحول في موقف الولايات المتحدة غير المتوقع بخصوص النزاع في الصحراء، هو ما يفرض على المغرب المبادرة بتأجيل هذه التدريبات، خشية وقوع ما لا تحمد عقباه".
ووصف الخبير المغربي قرار تأجيل المناورات بــ"الحكيم"، وأرجع ذلك إلى "الظرف السياسي المتسم بالتشنج في العلاقات المغربية الأمريكية، إضافة إلى أن المنطقة التي ستجري فيها هذه المناورات غير آمنة وتشهد عمليات تسلل لمقاتلين مسلحين بعد انفلات الوضع الأمني غداة اندلاع الحرب في مالي".
وأضاف مكاوي الذي يعمل أستاذا في العلاقات الدولية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء أن "المناورات العسكرية ستتم بـأسلحة متطورة وبالذخيرة الحية، ولا يمكن التكهن بتطورات الأوضاع حال البدء في مثل هذه المناورات".
وكان المغرب قد طلب من القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا المعروفة اختصارا بــ "أفريكوم"، تأجيل المناورات المشتركة التي تجرى بالقرب من مدينة طنطان (جنوب المغرب) وعلى تخوم المناطق الصحراوية المتنازع عليها، بعد أن عبر بيان للديوان الملكي المغربي عن رفض المغرب الحاسم للقرار الأمريكي الذي يطرح تغيير مهمة بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في المنطقة.
بوادر توتر العلاقات المغربية الأمريكية بخصوص النزاع في الصحراء، يعود، بحسب مراقبين، إلى اتهام المغرب المبعوث الأممي للصحراء كريستوفر روس بعدم الحياد كوسيط لحل النزاع، وسحبه الثقة منه في شهر أيار / مايو الماضي، ما ردت عليه الولايات المتحدة والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بإعلان تمسكهم بالروس كمبعوث أممي للنزاع في الصحراء، ليعود المغرب ويعلن قبوله مرة أخرى بالتعامل مع الروس، حيث استقبله العاهل المغربي أياما بعد صدور التقرير الأولي للأمين العام للامم المتحدة بان كيمون الشهر الجاري حول النزاع في الصحراء، والذي تضمن مطالبة أممية بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء.
وأعرب مكاوي في حديثه للأناضول عن اعتقاده أن "التنسيق الأمني بين المغرب والولايات المتحدة سيتواصل، على الرغم من أن المستجدات في منطقة الساحل والصحراء بعد الحرب في مالي، فرضت تنسيقا أمنيا أكبر للمغرب مع الجانب الفرنسي حليفه الإستراتيجي الأول".
وأضاف أن "الولايات المتحدة عبر وحدات قوات (أفريكوم)، المتواجدة في المنطقة تحتفظ بمراكز استخبارتية ووحدات تجسيسية نشيطة في الصحراء الكبرى تراقب تحركات الجماعات الجهادية في المنطقة خاصة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" ، لكنه اعتبر أن "التواجد العسكري الفرنسي الآن في المنطقة يطغى على نظيره الأمريكي، ما يجعل المغرب محط اهتمام فرنسي بالدرجة الأولى".
وكانت قوات أفريكوم قد أنشأت سنة 2007 بقرار من الرئيس الأمريكي جورش بوش، وتنسق قيادتها العسكرية في مجال التعاون الأمني الاستخباراتي مع حوالي 53 دولة إفريقية، فيما دأبت قوات الجيش المغربي على إجراء مناورات مشتركة بشكل سنوي مع قوات "أفريكوم"، تلقب "بالأسد الإفريقي" يشارك فيها حوالي 1200 جندي من الفرقة الرابعة لقوات المارينز الأمريكية.
ويعتبر المغرب القرار الأمريكي "تهديدا" للمفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة بينه وبين جبهة البوليساريو (المطالبة باستقلال الصحراء)، التي أعلن المبعوث الأممي عقب انتهاء جولته مؤخرا بعدد من العواصم المغاربية والغربية المعنية بالنزاع أنها "وصلت إلى طريق مسدود"، فيما تقول جبهة البوليساريو التي تدعمها الجزائر إن القرار الأمريكي يأتي "تلبية" لمطالبها القديمة بمراقبة وضعية حقوق الإنسان في المنطقة التي تقول الجبهة إنها تشهد "انتهاكات خطيرة".
ومع الحديث عن مشروع قرار من المرتقب أن تعرضه الولايات المتحدة الأمريكية غدا الإثنين على طاولة مجلس الأمن الدولي، شرعت المغرب في الاتصال بعدد من الدول الأعضاء بمجلس الأمن الدولي في مقدمتها روسيا وبريطانيا، فيما تحدثت تقارير إعلامية مغربية عن "تعويل مغربي" على فرنسا لإشهار ورقة حق النقض "الفيتو" للحيلولة دون توسيع صلاحيات "المينورسو".
في المقابل تقول تقارير صحفية فرنسية إن الديبلوماسية الفرنسية "لم تحسم قرارها بعد"، وإن "فرنسا وجدت نفسها محرجة من كيفية التعامل مع القرار الأمريكي، خصوصا أن القرار يتعلق بموضوع حقوق الإنسان ما يثير حفيظة الأوساط الداخلية الفرنسية"، واستبعدت ذات التقارير إقدام فرنسا على استخدام حق "الفيتو" واكتفائها بالتوسط "لصيغة توافق" ترضي الجانب المغربي والأمريكي على حد السواء.
وكان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند قد زار المغرب شهر أبريل/ نيسان الجاري في أول زيارة له بعد وصوله إلى السلطة في مايو/ آيار الماضي، وأكد في كلمة له أمام البرلمان المغربي "موقف فرنسا الداعم للمقترح المغربي لإيجاد حل سياسي متوافق عليه بين أطراف النزاع، يقوم على أساس منح حكم ذاتي موسع للمناطق الصحراوية تحت السيادة المغربية".
فيما تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية الموقف الرسمي للأمم المتحدة والذي تعلن عنه في تقاريرها الرسمية حول النزاع في الصحراء، وهو تنظيم استفتاء لتقرير المصير في المنطقة، لكن الإدارة الأمريكية عبرت في المقابل عن "إعجابها" بالمقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء، ليشكل طرح الملف الحقوقي في الصحراء من طرف الديبلوماسية الأمريكية -حسب مراقبين- "انعطافة جديدة" في الموقف الأمريكي من النزاع .
وكان السفير الأمريكي في المغرب صمويل كابلان ( الذي انتهت مهمته الديبلوماسية الخيمس الماضي) قد وصف في تصريحات صحفية سابقة قبل أيام العلاقات المغربية الأمريكية بـ"الناضجة" و"المتينة"، وقام وفد حقوقي أمريكي تابع لمركز روبرت كينيدي بزيارة شهر أغسطس/ آب الماضي إلى المناطق الصحراوية المتنازع عليها، دعا عقبها إلى "تشكيل آلية دائمة لمراقبة حقوق الإنسان في المنطقة''.
وجمع المغرب والولايات المتحدة لأول مرة شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي "حوار استراتيجي" ثنائي، ناقش خلاله الجانبان ملفات التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني.
ومن المتوقع أن تنظم فعاليات حقوقية مغربية مظاهرة أمام السفارة الأمريكية في الرباط للاحتجاج على القرار الأمريكي الذي تقول الرباط إنه "مس بالسيادة المغربية"، فيما بعثت جمعيات حقوقية مغربية رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كيمون عبرت خلالها عن رفضها لـ"تغيير طبيعة التفويض الممنوح للبعثة الأممية التي تراقب تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ سنة 1991".
في المقابل رحبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (أكبر الجمعيات الحقوقية المغربية) بالقرار معتبرة أن "المرجعية الكونية لحقوق الإنسان لا يمكن أن تجزأ "، واعتبرت توسيع صلاحيات المنورسو "خطوة مهمة لتعزيز وضعية حقوق الإنسان في المنطقة".
وبدأت مشكلة الصحراء المغربية قبل انسحاب إسبانيا منها عام 1975، إذ طالب المغرب باسترجاع الصحراء الغربية من الاحتلال الإسباني باعتبار أنها "جزء من أراضيه"، وأثناء المفاوضات الإسبانية مع المغرب طالبت موريتانيا بجزء من الصحراء بدعوى أن "للسكان تقاليد شبيهة بالتقاليد الموريتانية"، بينما دعت جبهة البوليساريو المتواجدة بالصحراء المغريبية إلى "إقامة دولة منفصلة باسم الجمهورية الصحراوية".
news_share_descriptionsubscription_contact
