سيدي ولد عبد المالك
نواكشوط - الأناضول
رغم اتفاق القوى السياسية والفعاليات الشعبية بمالي علي أهمية تبني الخيار العسكري لتحرير شمال البلاد من قبضة الجماعات المسلحة التي تتنازع السيطرة عليه منذ أبريل/ نيسان الماضي، إلا أن مواقف هذه القوى تتباين حول مشاركة القوات الدولية في هذه العملية.
وبحسب ما يراه مراقبون فإن هوة هذا الخلاف آخذة في الاتساع خاصة مع مصادقة مجلس الأمن الدولي في 20 ديسمبر/كانون الأول الماضي، على قرار بنشر قوة دولية لطرد الجماعات المسلحة المتواجدة بالشمال المالي، وذلك علي خلفية طلب تقدمت به فرنسا للمجلس.
وبرأي المراقبين فإن القرار الأممي الأخير سيعزز من مواقف القوى المحلية الداعمة للتدخل العسكري الدولي، كما سيلعب دورا كبيرا في تليين مواقف دول إقليمية ظلت رافضة للحرب ومترددة بشأنها كموريتانيا والجزائر اللتين ربطتا في أكثر مناسبة حجم مشاركتهما في التدخل بما سيتم إقراره تحت المظلة الأممية باعتبارهما عضوين بالمنظمة الدولية.
وتتوزع القوى المحلية المالية إلي قسمين رئيسيين:
** قوى داعمة للتدخل وتتشكل أساسًا من:
- الرئيس ديوكوندا اتراوري: يعتبر الرئيس بالنيابة من أكبر دعاة التدخل العسكري بمالي، فتراوري، الذي يعتبره معارضوه مفروضا من قبل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "الإكواس"، كتب رسالة مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلي الرئيس الدوري للمنظمة "الحسن واتارا"، طالب فيها بدعم من أجل استرداد الأراضي المغتصبة بالشمال المالي.
ويعتقد تراوري، كما هو الشأن بالنسبة للعديد من النخب السياسية المالية، أن الجيش المالي لم يعد قادرا على استرداد أراضي الشمال.
ويرى الرئيس المالي أن اللجوء إلى القوات الأفريقية قد يحول دون التوسّع الجغرافي للجماعات المسلحة وسقوط مزيد من المدن المالية بأيديها.
كما يسعى "تراوري"، برأي محللين، للاحتماء بالجيوش الأفريقية لتقليم أظافر الانقلابيين الماليين الذين يتحكمون في المؤسسة العسكرية وبدأ نفوذهم يتغول يوما بعد آخر في مفاصل الحياة السياسية.
- حزب الاتحاد من أجل الجمهورية والديمقراطية : يعتبر هذا الحزب، الذي يتزعمه السياسي المالي الكبير "سوميلو سيسي" المولود بتمبكتو (وسط)، من أوائل من دعوا لتدخل أجنبي لتحرير شمال البلاد.
وبرأي مراقبين فإن "سيسي" الطامح للظفر في الانتخابات الرئاسية القادمة لن يقبل غياب تصويت أهل الشمال الذين يمثلون أكبر معاقله الانتخابية، حيث يحتل حزبه الترتيب الأول في مدينة "كيدال" (شمال شرق) والترتيب الثاني بمدينتي "تمبكتو" (وسط) و"غاو" (شرق) حسب آخر انتخابات بلدية لعام 2007، وذلك في ظل تردد الحديث عن احتمال استثناء مناطق الشمال من هذه الانتخابات بسبب الوضع الأمني بها.
عامل آخر يشجّع "سيسي" على موقفه الداعم للتدخل الأجنبي وهو علاقته الوثيقة بقادة دول منظمة "الإكواس" والتي تعود إلي فترة توليه لرئاسة لجنة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لدول غرب أفريقيا، التي تشكل أهم الأذرع الاقتصادية والمالية بالمنطقة، وتُعني بتفعيل اقتصاديات الدول الأعضاء وتشجيع القدرة التنافسية للأنشطة الاقتصادية بالمنطقة.
- رئيس الوزراء المستقيل "موديبو ديارا": يري الكثير من المهتمين بالشأن الداخلي المالي أن قضية التدخل العسكري بمالي كانت من أبرز القضايا الخلافية بين "ديارا" (المؤيد لها) وزعيم الانقلابيين "صانوغو" (المعارض للفكرة) والتي أدت إلي استقالة الأول.
** قوى معارضة للتدخل العسكري بمالي وتتألف أساسًا من:
- المجلس الإسلامي الأعلى: يعارض المجلس الإسلامي الأعلى الذي يعتبر من أهم وأكبر الفعاليات الإسلامية في مالي التدخل العسكري الخارجي، ويراهن على الخيار السلمي لحل الأزمة.
وقام المجلس منذ اندلاع الأزمة بزيارات لمناطق الشمال والتقي قيادات نافذة هناك، كما أعربت حركة التوحيد والجهاد عن استعدادها للتفاوض مع المجلس الإسلامي الأعلى المقرب من الحكومة المالية إن طلب ذلك.
ويلعب رئيس المجلس محمود ديكو دورًا محوريًّا في الأزمة الحالية بسبب علاقاته الجيدة مع بعض قيادات الجماعات المسلحة بشمال مالي.
ويحاول ديكو إيجاد نقاط مشتركة للتفاوض بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة، كما يعتبر حاليا من أهم قنوات التواصل بين الطرفين.
ويضم المجلس في عضويته ممثلين عن مختلف التيارات الدينية بمالي (الصوفية والإخوان المسلمين والسلفية).
- زعيم الانقلابيين "مامادو صانوغو": يعارض "صانوغو" التدخل بشدة ويري أن الجيش قادر على تحرير شمال مالي إذا ما توافرت الإمكانيات المناسبة، وقد أكد "صانوغو" قبل أيام، أثناء زيارة قام بها لعدة ثكنات عسكرية، أن الأسلحة التي تأتي للبلاد عن طريق غينيا كوناكري ستكون كافية لأن يقوم الجيش بتحرير البلاد.
- تنسيقية المنظمات الوطنية بمالي "كوبام": تعارض هذه التنسيقية المقربة من الانقلابيين نشر قوات أفريقية في مالي، وتعتبر أن تلك الخطوة ستسهم في تعقيد الأمن والسلم بالبلاد.
وتتهم التنسيقية "الإيكواس" بـ"السعي لصرف الجيش المالي عن مهامه الرئيسية وإبعاده عن الحياة العامة".
وتري أن الجيش المالي يمتلك مخزونًا وطنيًّا كبيرًا يؤهله لتحرير شمال البلاد من قبضة الجماعات المسلحة.
ويعتبر الأمين العام لحزب "التضامن الأفريقي للديمقراطية والاستقلال" عمر ماريكو، الذي تقدم بدعوى قضائية ضد منظمة تنمية غرب أفريقيا "الإكواس" لتدخلها في الشؤون المالية، من أبرز وجوه المنسقية المعارضة للتدخل.
ويعارض ماريكو، وهو عضو بالبرلمان المالي، نشر القوات الأفريقية، ويري في ذلك انتهاكًا لسيادة الدولة.
- الزاوية التيجانية "الحموية": دعت هذه الطريقة أتباعها للمشاركة في آخر تظاهرة احتجاجية ضد التدخل العسكري بمالي، ويبرر شيخ الطريقة محمدو ولد الشيخ حماه الله موقفه بعدم معرفته بملابسات الاتفاقيات المبرمة مع القوى الإقليمية للتدخل وبجنوحه للحوار كخيار أساسي للتسوية.
ويري أن القرار اتخذته أطراف إقليمية وفرضته على الشعب.
ويقول مراقبون إن ولد الشيخ حماه الله المنحدر من أصول عربية لا يمكن أن يؤيّد حربًا ستتضرر منها المجموعات العربية بالمنطقة.
وتتنازع حركتا تحرير أزواد وأنصار الدين النفوذ في شمال مالي مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركة التوحيد والجهاد المنشقة عنه منذ أبريل/ نيسان الماضي، تاريخ سقوط شمال البلاد تحت سيطرة هذه المجموعات غداة انقلاب عسكري أطاح بالرئيس المالي توماني توري وانسحاب الجيش النظامي من الشمال.
وكانت حركتا الأزواد وأنصار الدين اللتان تمثلان متمردي الطوارق في الشمال المالي قد توصلتا أوائل ديسمبر/ كانون الأول الجاري إلى اتفاق مبدئي مع الحكومة المالية بوساطة مجموعة دول غرب أفريقيا (إكواس) من أجل الدخول في مفاوضات لإيجاد مخرج سلمي للأزمة في البلاد.
news_share_descriptionsubscription_contact
