محمد أبو عيطة
سيناء(مصر) الأناضول
بوجه تعكس ملامحه آثار بطولاتها بعرض الصحراء وطولها عندما كانت محتلة، وجسد واهن يتحمل، إضافة إلى سنوات العمر التى اقتربت من عامها الثمانين، أمراضًا عضالاً وعللاً مزمنة، تجلس "حمدة الرياشية" تتوسط عائلتها البسيطة فى قرية أبوزرعى فى مدينة الشيخ زويد بشبة جزيرة سيناء تحدثهم عن ماضيها.
وأكثر ما ترويه "حمدة" لأحفادها، ذكرياتها عندما كانت أرضهم محتلة، وكانت تقوم بالسير على قدميها عشرات الكيلومترات فى مهمات فدائية قامت بها جنبًا إلى جنب مع رجال المقاومة من سيناء المنوط بهم مهاجمة نقاط ومناطق تمركز الجيش الإسرائيلى خلال فترة الاحتلال من عام 1967 حتى نشوب الحرب المصرية الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 1973 والتى أسفرت عن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والانسحاب الكلى لإسرائيل من سيناء فى 25 أبريل/نيسان عام 1982.
حمدة، وهى إحدى سيدات قبائل بدو سيناء، لا تنسى دورها الذى كانت تقوم به ضمن فدائيين آخرين من أبناء بدو سيناء جندتهم المخابرات المصرية، وأطلقت عليهم مسمى "منظمة سيناء العربية" وكان دورهم رصد تحركات القوات الإسرائيلية فى سيناء، وتنفيذ عمليات فدائية وجلب معلومات استخباراتية مدعمة بالوثائق والخرائط بعد الحصول عليها.
من هنا كان دور هذه السيدة مهمًا لمصر فى ذاك الوقت، والذى وصفته فى حديثها لمراسل وكالة "الأناضول" للأنباء من منزلها البسيط، بأنه "ليس بالسهل".. فقد كانت تتسلم من الفدائيين خرائط وصورًا ووثائق هى لا تعرف محتواها، وتخفيها تحت ملابسها وتسير بها راكبة أو مترجلة عبر طرق كثيرة تحت حجة أنها تقوم بالتجارة بين المدن ومن ثم تصل إلى المناطق المتاخمة لقناة السويس، وهناك يقابلها أفراد من المخابرات المصرية يتسلمون تلك الوثائق.
وفى حالة تعذّر عبورهم المجرى المائى للقناة تعبر هى مرافقة للفدائيين وعند عودتها تحمل تعليمات القيادة لأفرادها المجندين وأحيانا تحمل أسلحة وقنابل مطلوب استخدامها لنسف معسكر أو تنفيذ مهمة محددة.
فى جعبة هذه البطلة الكثير من المواقف لعل أكثرها قسوة كما تقول هى لحظات تفتيشها على الحواجز الإسرائيلية، والتى فى كل مرة تخرج منها بأعجوبة بسبب أن الإسرائيليين لايشكون فيها فهى سيدة ويخشون من إثارة البدو فى حال اقترابهم من سيداتهن وتفتيشهن، إضافة إلى تنفيذها لتكليفات بتسلم وثائق من الفدائيين فى مناطق شديدة الوعورة فى وسط وجنوب سيناء واضطرارها إلى المراوغة عند العودة خشية ملاحقة عناصر المخابرات الإسرائيلية وعملائها لها.
هذا الدور كان لا يعلم به إلا قلة من بينهم سيدتان آخريتان تشاركانها نفس الدور، وهما "فرحانة" و"مليحة" من بنات قريتها، وتقول: "كان المتعارف عليه أننا تاجرات نقوم بجلب البضائع البسيطة، وبيعها من هنا وهناك وهذا هو الستار الذى تحته كانت تختفى مهامنا".
"خلال هذه الفترة - كما تقول حمدة - واجهنا الموت وبمذاق خاص استطعمنا حلاوة النصر عندما بلغنا خبر عبور الجيش المصري قناة السويس ظهر يوم السادس من أكتوبر".
تتوقف حمدة عن الحديث لتنطلق من عينيها دمعة كانت محبوسة ثم تواصل حديثها قائلة: "كرّمنا الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ومنحنا الرئيس محمد أنور السادات نوط نجمة سيناء، وانضممنا إلى جمعية مجاهدى سيناء، وبعد تحرير سيناء الكامل عام 1982 فوجئنا بتخصيص راتب شهرى لنا يقدر بنحو 50 جنيهًا (8 دولارات) لم تكن تكفينا بالطبع خصوصا من هم أصحاب مرض ومع شكوانا المتكررة رفعت قيمتها أخيرا إلى نحو 900 جنيه (150 دولارًا)".
ولا تعني النقود لـ"حمدة" الكثير حيث تجد راحة بالها وسعادتها بين أفراد عائلتها الذين ينظرون إليها دوما بافتخار.
الكاتب الصحفى، عبدالقادر مبارك، المتخصص فى ملف المجاهدين بشبه جزيرة سيناء، يوضح من جهته لـ"الأناضول" أن مجاهدي "منظمة سيناء العربية" يصل عددهم إلى حوالى 750، وهم من حصلوا على نوط الامتياز من الطبقة الأولى، ومنهم من حصل على النوط فى عهد الرئيس السادات ومنهم من حصل على النوط من الرئيس السابق مبارك.
وكان مجاهدو سيناء يتقاضون حوالى 13 جنيهًا شهريًا حتى عام 2010، وكان ذلك مثار انتقادات حادة لنظام الرئيس السابق حسني مبارك لتهميش هؤلاء المجاهدين الذين أعطوا الوطن الكثير.
وظل التهميش يلاحقهم إلى أن تم إنصافهم بعد ثورة 25 يناير عندما تم تخصيص مبلغ 700 جنيه شهرى (115 دولارًا) لكل مجاهد وأسرته، وارتفع هذا العام المبلغ ليصل إلى 900 جنيه (150 دولارًا).
ويشير مبارك إلى أن أهم مطالب مجاهدي سيناء تتمثل في أن يكون لهم نصيب فى الأرض المروية في سيناء من "ترعة السلام".
وكان البرلمان المصرى قد أوصى بتخصيص عشرة أفدنة لكل مجاهد، إلا أن النظام السابق رفض تنفيذها، ما جعلهم يأملون من الرئيس محمد مرسي تلبية مطلبهم، بحسب الكاتب الصحفي.
وعن دورهم يقول: "مجاهدو سيناء كان لهم دور بارز في نقل المعلومات حتى أصبحت القوات الإسرائيلية في سيناء بفضلهم كتابًا مفتوحًا للقوات المسلحة المصرية".
ولفت إلى أن موشى ديان، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق قال عنهم: "لقد استعان المصريون برادارات بشرية هى سر نجاح الجيش المصري في حرب الاستنزاف بين مصر وإسرائيل (1967-1971)".
كما نفذوا العشرات من العمليات الفدائية المؤثرة ضد المحتل الإسرائيلى بالصواريخ، بحسب مبارك.